خبر انتشال جثتي من النهر في الجرائد أخيل اليه اني مت . مسكين جان . هو يبكيني من دون شك ، ويبكي مستقبلاً اردناه حلماً جميلاً فاذا به ينقلب حقيقة مؤلمة قاتمة . سأبعث منذ صباح الغد برسالة اليه أخبره اني لا ازال في قيد الحياة فيطير الي ويضع رأسي الصغير بين يديه القويتين، وينظر الي تلك النظرات التي اسرني بها ، بوشوشات يسرها ويسمعني اعذب الاناشيد واعفها وانبلها ، القلب بلسانه ويعزفها الشباب عزفاً جنونياً تردده الرياح والاعاصير فترقص لنا الدنيا وترقص الازهار وترقص العصافير
كتبت الى جان فلم يجب ولم يأت فحنقت على الموت الذي لفظني ، ولعنت الحياة التي استرجعتني ولما انتهت ايام نقاهتي واعلمتني الادارة انه صار بامكاني مغادرة المستشفى خرجت الى اول مكتب بريد فكتبت رسالتين الواحدة الى امي والاخرى الى جان . اردت في الاولى ان اقول لامي اشياء لا غنى لكل ابنة عن البوح بها لامها وفي الثانية كان لي بعض الامل وكنت اختلق الاعذار اختلاقاً لابرره امام نفسي فاقول لها : لعله مريض ، اولعل رسالتي لم تصل اليه ، او لعله الان يفتش عني في مشارق الارض ومغاربها فلا يمكنه ان ينساني ، ألم يقل لي انه يفضل الموت على الحياة بعيداً عني . بلى قال لي ذلك واكده الف مرة .
ارسلت كلمتي بالبريد المستعجل وانتظرت الجواب طول النهار ، ولكن مضى دون ان يصل الجواب . فقمت وقد يئست نفسي ، وذهبت لاول ساعاتي بعته ساعة كانت امي اهدتني اياها يوم نلت شهادة الفلسفة ، وخاتماً قدمته لي هي ايضاً
يوم نلت شهادة البكالوريا . وقصدت الى المحطة فاخذت محلاً في الدرجة الثانية وجلست بانتظار قطار الليل .
ولما وصل القطار صعدت الى العربة واحتلت مقعداً وغصت في تأملاتي ولم أع الا على صوت مفتش القطار ينبئنا بوصولنا الى باريس . نزلت وانا لا ادري اي جهة اتجه ، ولكني مشيت في اول شارع امامي فقرأت على باب منار بصباح «اوتيل ترمينوس» فلامست الزر الكهربائي باصبع متشنجة فأن الزر وفتح الباب وما ان خطوت الى الداخل حتى استوقفني صوت فيه نبرة الآمر : ـ تريدين ؟ ـ ابيت بقية ليلي ـ هل معك حوائج ـ كلا ـ ثلاثون فرنكاً تدفع سلفاً ـ اليس عندكم غرفة اقل ترفاً ـ ليس عندنا غير هذه
فاما ان تدفعي فتدخلي ، واما ان تذهبي ـ اريد ان انام ـ تفضلي .
فنقدتها الثلاثين فرنكاً . ـ الغرفة ٢٨ في الطبقة الثالثة الجهة اليمنى ـ بونسوار . واقفلت الباب . فطلعت السلالم اتلمس طريقي فقد خيل الي ان الانوار خابتة لا تضيء . لا اذكر هل خلعت ثيابي ام لا ، ولكني اذكر ان الصوت الذي استقبلني على الباب هو الذي ايقظني في الصباح .
ـ اريد ان اعرف اذا كنت ستحتفظين بغرفتك هذا المساء ، فاذا كان ذلك فادفعي ثلاثين فرنكاً اخرى ، والا فتفضلي بالخروج .
خرجت ومشيت . الى اين ؟ لا ادري . فسرت من شارع الى شارع حتى
اعياني المسير . اشتريت جريدة وذهبت الى حديقة اطالع اعلاناتها لعلي اجد عملاً، فلم اجد . وهكذا بقيت اسبوعاً افتش عن عمل ولا عمل ، فنفذت الفرنكات القليلة التي كانت معي، وقضيت اليوم الاول من حياتي بدون اكل والثاني وهذا هو الثالث
هذا شيء من قصتي اما قصتي الحقيقية فهي هنا دفينة في صدري ، لا اخبرها لرجل ، فليس بين الرجال من هو اهل لسماعها . عفواً ، لقد استرسلت في حديثي فاغفروا لي ثرثرتي ، والى العمل .
ثم انتصبت على قدميها ، واتخذت وضعها الاول ، ورجع كل منا الى الوانه يحاول استكشاف هذا السر الفاجع ويصوره على طريقته...

