لم يكن ابو حنا في حالة طبيعية ذلك النهار ابداً، فعروسه الجميلة الصغيرة كانت غائبة عنه في زيارة اهلها. ولقد تواعدت واياه ان ترجع في النهار السابق، وها هو اليوم الثاني يكاد يضيء ولم تكن قد رجعت بعد.
ومع ان ابا حنا كان قد بلغ من العمر الخامسة والستين فانه كان لا يزال عريساً طازجاً ذلك النهار. لا تعجب من كبره. فقد كان لديه من المال والممتلكات ما يكفل له، ولو في التسعين من عمره، عروساً شابة.
عندما ماتت امرأته السابقة، ام حنا شريكة حياته، قال جميع الذين عرفوه انه مائت لا محالة من الحزن والكآبة. لكنه اراد ان يبرهن للعالم ان معتقداتهم باطلة، فاعلن لهم بعد شهر من موت امرأته انه يريد ان يتزوج امرأة جديدة.. وهو لا يقبل اية فتاة، بل فتاة جميلة مشوقة القامة خفيفة الدم، تستطيع ان تحظى بحبه الغالي. والغريب انه كان ينجح حيث يخفق الكثيرون ممن هم في
ولم يكن ابوحنا أعمى القلب احمق يقع تحت سحر اية امرأة، ولو انه كان يصرح لكل امرأة يلقاها بسطوة سحرها عليه. تلك كانت بدينة، وهو لا يحب المرأة البدينة، وتلك كانت تعرج قليلاً، وهو يريدها صحيحة الجسم كاملة، وتلك كانت تضحك كثيراً، وهو لا يحب المرأة التي تضحك كثيراً، وتلك كانت كاملة الصفات الا انها تشبه ام حنا، امرأته السابقة، وهو يريد ان يختبر نوعاً من النساء جديداً. وهكذا رفض الكثيرات حتى وجد اخيراً، بعد عناء وجهد، تلك السعيدة الحظ التي وجدت نعمة في عينيه.. ولم تكن تملك تلك الفتاة سوى جاذبية نسائية قوية، وكان لها من العمر خمسة وعشرون عاماً، رقيقة الحال طموحة، تحلم ليل نهار بالترفه والثراء، ابتسامتها عريضة وصوتها عذب وعيناها ذابلتان وحديثها مطرب، ولمسة يدها دفء ونعيم.
ويوم الاكليل تفرج عليه الناس منتصباً بالقرب منها كعامود الكهرباء،
ولو لم تكن عيناه قد نشفتا من الدموع لبكى من الفرح. وكم طاب له ان يتحدى الناس ومن قال منهم ان امرأته المتوفاة تراقبه من السماء، وتبكي خيانته اللاذعة، وتوصي الملائكة ان ينكدوا عيشه... وقال لنفسه انهم لم يتلفظوا بذلك الا من الحسد. نعم تزوج ابوحنا، ورقص وارقص عروسته، وشرب وطرب، وشعر بالشباب يرجع مرة ثانية وبالسنين المتراكمة تختفي لتحل مكانها سنون جديدة ملأى بالراح والشهد والعسل.
اما امرأته الجديدة فلم تندم لانها تزوجته ابداً. كيف تندم وهو يحنو عليها كما تحنو ام على طفلها. وقد صرحت كثيرا ان لا فرق بينه وبين اي شاب من ناحية القوة والعضل المفتول. بل كان يفوق الشاب بكثير من الامور: بحديثه المشبع المبني على اختبارات السنين، وفكاهاته الحلوة التي لا تنتهي، وصراحته الفائقة، ومداعباته المتنوعة ان بالحديث او بالحركات. وكم كان يقول لها كأنه جاد فيما يقول: «سوف اوفر لك كل ما استطيع، وابقي لك اكبر ميراث ممكن حتى اذا ما ودعت الحياة تستطيعين ان تجدي رجلاً غنياً يتزوجك من بعدي تؤمنين معه عيشك»
على هذا المنوال سارت الامور بين الزوج والزوجة دون ان يعكر صفوها معكر، الى ان جاء ذلك اليوم المشؤوم، يوم كانت الزوجة غائبة من بيت اهلها. فالشيخوخة بهولها وثقلها هاجمت ابا حنا مرة ثانية، فاذا بالنهوض من النوم في الصباح قد خسر روعته وسحره، ووجه النهار قد تغير فبدا متقلباً مكفهراً. وبدلاً من ان يصبح ابو حنا الكون من شباكه كالمعتاد ويقول: «ما اجمل هذا الصباح» استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم نقل نقلة قوية، ثقيلة، دفعت دفعاً سريعاً... وتنهد متحسراً على غياب زوجته المحبوبة «دعد».
