الانسان روح وجسد، وكلاهما خير، وبدونهما معاً لا حياة له على الأرض ولا وجود. وقديماً شغلت هذه الثنائية التي يتألف منها الانسان، الفكرَ منذما قدر له ان يعي فيتفلسف: واذا به يحسب، في حين، ان الانسان جسد كله فيبني اهراماً للجسد تتحدى الزمان وتطمح الى التغلب على الفناء؛ ويحسب، في حين، ان الانسان روح كله فيشيد من خياله «نرفانا» للروح او «فردوساً» مجهولاً تهرب اليه الروح من جحيم الجسد؛ واذا به يحسب، في حين آخر، ان الانسان لا هذا وحده ولا تلك وحدها بل انسجام بينهما كامل لا تكون بدونه سعادة ولا يتم بدونه خلاص.
والحق، ان الانسجام بين الروح والجسد هو الوضع الذي ينبغي ان يُسعى اليه: فللجسد متطلبات كما للروح، والانصراف الى توفير متطلبات الواحد دون الآخر خطأ لا يسلم من العواقب الوخيمة. وكل كيان حي، سواء كان فرداً أم امة، لا بد له من ان ينحدر الى مهاوي الفساد فيما اذا وقع في هذا الخطأ، ولنا على ذلك شواهد عديدة في التاريخ.
ولقد حدا بي الى التذكير بهذا الموضوع ما اشهد في العالم اليوم، وفي بلادنا على الخصوص، من الاهتمام بالجسد والاهمال للروح. فها نحن نتنازع ونقتتل في سبيل الربح المادي والسيطرة القومية، وها نحن في علاقاتنا بعضنا مع بعض، نضرب صفحاً عن المثل الانسانية العليا كالمحبة والاخلاص والشرف ونلجأ الى الضغينة والخداع والخيانة؛ وها نحن، في سير حياتنا، نتزوج للمال لا للحب، ونتعلم للمتاجرة لا للمعرفة، ونلبس للناس لا للذوق، ونأكل للشره لا للشبع؛ وها نحن اخيراً، بيننا وبين انفسنا، نطبق جفوننا على افكار سوداء، ونغلق قلوبنا على ميول حقيرة وعواطف رديئة، ونبسط ايدينا الى الاخذ لا الى العطاء.
وكم يؤلمني ان ارى مثلاً، في بلادي، اقداماً لا تسير الا الى اماكن اللهو، وعيوناً لا تنفتح الا على فراغ، وايدٍ لا تغدق عطاياها الا على لذائذ الجسد. وأواه! متى نجد في هذا البلد غنياً واحداً يفكر في تشييد جامعة وطنية قبل ان يفكر بتشييد مرقص او فندق او قصر للاشباح المتحركة! او نجد غنياً واحداً يسعى الى انشاء مكتبات عمومية راقية في كل مدينة وقرية، عوضاً عن ان يسعى الى النيابة او زعامة او وزارة.
لقد سيطر علينا الجسد فأضعنا الانسجام بينه وبين الروح، فاذا نحن في الواقع عبيد تعساء مهما نلنا من حرية في مجال السياسة. فالحرية الحقة لا وجود لها في مجتمع ان لم يكن لها اولاً وجود في كيان الفرد الذي يؤلف هذا المجتمع. وهي لا توجد في كيان هذا الفرد ما لم يتوفق الى تحقيق الانسجام التام بين روحه وجسده.
«صوت المرأة»

