بالمسؤوليات الكبرى . فدب دبيب الفساد وتعرضت دولتهم لتدخل الاجانب مما ادى الى خرابها .
إلا ان الآداب الاجتماعية في هذا قد بلغت الذروة في التأنق والتبرج فاهتم بعض المؤرخين بتدوين بعض اخبار البلاطات وبروتوكولاتها وحياء القصور ورفاهيتها . وما وصلنا من تلك الآثار كثير .
ومن اجمل ما تحلى به العرب وتميزوا به عن غيرهم من الامم هو تهذيبهم لانفسهم وتأديبهم لها . فتجلى ذلك في حرمتهم ، ووفائهم بالعهد ، وقناعتهم وحيائهم ، وغض بصرهم عن نساء جيرانهم واجتنابهم النميمة ، ومودتهم لذوي القربى والارحام ومروءتهم ، وحريتهم ، وغيرتهم على صيانة انسابهم . وللحث على هذه الصفات اسندت الاحاديث النبوية ، ورويت الاشعار والاقوال .
وللرجل المهذب قواعد يجب اتباعها فمن صفاته ان يكون اديباً فيحرص على مجالسة ذوي الالباب ، والنظر في افانين الآداب وقراءة الكتب والآثار ، ورواية الاخبار والاشعار ، وان يحسن في السؤال ويثبت في المقال ، ولا يكثر الكلام ، وان سئل عما يعلمه اجاب ، وان لم يسئل صمت للاستماع ، فصدق قول النبي : « الصمت احسن بالرجل من الهذر في منطقه ، والكلام فيما لا يعنيه » .
ومن عادات المهذب المستظرفة المروءة وحسن المعاشرة ، والبر بالوعد ، وان يبتعد عن المزاح الثقيل ، لان كثرته تذل المرء وتضع القدر ، وتزيل المروءة . وعلى الاديب ترك التبذل بالسخافة ، والصباح بالفكاهة ، واجتناب بعض المصطلحات المبتذلة ، الجارية على السنة السوقة . ومن تكمله : ظهور بزته ، ونظافة ملبسه ، وتجنبه البصق في اثناء حديثه ، او في الاماكن العامة المنظفة ، وعدم إكثاره من القعود او الوقوف على باب داره مع جيرانه ورفقائه ،
والامتناع عن التحدث الى اخوانه عن اعجابه بأهله وما في بيته .
اما المرأة العربية فلقد اهتم بها المجتمع الراقي كاهتمامه بالرجل ، فالوصايا التي اوصيت بها ستشبه ما ندعوه اليوم بعلم تدبير المنزل والعلاقات العائلية . ففي اوائل العصر العباسي وقبله تسنى للمرأة العربية ان تعيش في جو من الحرية الى ان جاءت اواخر القرن العاشر حيث عم الفساد واضطرت المرأة الى ان تسجن في عقر دارها وتتخذ كأداة للهو والتسلية او وسيلة لحفظ النسل ، وهكذا انحطت منزلتها وانزوت في سجنها .
اما النساء اللواتي لمعن في ذلك العصر فكثيرات . منهن من برعت في ادارة شؤون الدولة كالخيزران ام المهدي ، وام الرشيد وعالية ابنة المهدي ، وزبيدة امرأة الرشيد ، وكثيرات منهن خضن غمار الحروب قائدات ، ومنهن من بارين الرجال في مجالس الادب والفن . ومنهن ايضاً سيدات عملن في حقل الخير والبر ، كأم المقتدر التي امرت بفتح المشافي مجاناً ، كما امرت الاطباء بالتجوال في الاصقاع والقرى لمداواة المرضى والفقراء .
ولقد انحصر اهتمام المرأة عموماً فيما يتطلبه منزلها من عناية ، وزوجها من مداراة . فأدرك العرب ان عرش المرأة بيتها وانها مهما بلغت من علم ، وفن ، وادب ، فهي لا شك سوف ترجع الى ملكتها التي وجدت خصيصاً لها ، ولا يوجد احد يستطيع ان يفوقها فيها .
ومن آداب المرأة مع زوجها دوام الحياء وقلة المجاراة له ، والسكون عند كلامه ، والحفظ له في غيبته وترك الخيانة في حاله ، وطيب الرائحة ، وتعهد الفم ونظافة الجسم والثوب ، واظهار القناعة واستعمال الشفقة ، ودوام الزينة واكرام اهله وقرابته ، ورؤية حاله بالفضل وقبول فعله بالشكر ، واظهار الحب له ، والسرور من رؤيته .
وكذلك للرجل حقوق على نفسه في علاقته مع زوجته ، فعليه حسن العشرة ولطافة الكلمة ، واظهار المودة ، والتغافل عن الزلة ، واقالة العثرة . وقلة المجادلة ، وبذل المؤونة بلا بخل ، واكرام اهلها ودوام الوعد الجميل ، وشدة الغيرة عليها .
ومن آداب الولد مع والديه ان يسمع كلامها ، ويقوم لقيامها احتراماً ويمتثل لأمرها ، ويلبي دعوتها ، ويخفض لها جناح الذل من الرحمة ، ولا يبرمها بالالحاح ، ولا يمن عليها بالبر لها . ولا بالقيام بأمرها ، ولا ينظر إليها شزراً ولا يعصي لها امراً . واما آداب الوالد مع ابنائه ، فهي ان يعينهم على بره ، ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم ، ولا يلح عليهم في وقت ضجرهم ، ولا يمنعهم من طاعة ربه ، ولا يمن عليهم بتربيته .
ومن آداب المائدة عندهم غسل اليدين قبل الطعام وبعده ، والاكل باليمنى وتصغير اللقمة ، واجادة المضغ ، وقلة النظر الى وجوه الحاضرين وهم يأكلون ، ولا يأكل الواحد منهم متكئاً ، ولا يأكل فوق الشبع ، وفوق الجوع ، ويعتذر اذا شبع حتى لا يخجل الضيف ، او من به حاجة ، فيأكل من جوانب القصعة ، ولا يأكل من ذروتها . ولا يلعق الاصابع بعد الفراغ ، ويتحدث بما هو سار ، ولا يذكر الموت او ما ينغص على الحاضرين ، ولا يضحك كثيراً ، بل يمضغ طعامه بهدوء ، ويبتعد عن أكل الثوم والبصل ، وغير ذلك ما تقتضيه الآداب العامة .
وهناك آدابهم في المشرب والملبس وسوى ذلك من العلاقات الاجتماعية يضيق بي المجال عن سردها . فكل ما توخيته في هذه الكلمة ان اوجه الانظار ، واحث القراء على مراجعتها هنا وهناك في كتب العرب الاقدمين .
