ان الذين فطروا على التأنق يتمتعون مدى الحياة بكياسة يحسدون عليها اكثر من الجمال. فمشكلة المظهر عندهم محلولة سلفا لان انتقاءهم الملابس يشجع ويقوي الانسجام بين الرغبة وارضائها، وهو الانسجام الذي تقرره طباعهم وميولهم. ويؤثر هذا السحر الناتج عن الابداع في كل شيء له اتصال بهم وبالنتيجة تكون لأنه الاعمال التي يقومون بها صبغة الابداع. وتنسجم بساطة علاقتهم بمحيطهم مع ذوقهم الفطري الرفيع ليحاطوا بهالة بديعة في جو شعري لا يدرك كنه سحره ولا يمكن الطغيان عليه.
ولا يمكن التأنق عن طريق الوسائل المدهشة التي تجذب النظر موقتا ولا تعتم ان تصبح مدعاة للملل والاستهجان. فالعنصر الفعال نوعا ما في هذا المظهر هو الابتكار. غير ان التعنت الزائد يطغي على العامل الاول الذي يقصد منه دائماً ان يقوم بمهمة تحويل القيم المعنوية من الجمال الى قيم محسوسة.
وفي حالة رؤيتنا سيدة انيقة غريبة عنا نجد فيها المرأة الانيقة التي هي اقرب ما يمكن ان تكون لما نحلم به من روعة في الاناقة، وذلك بقطع النظر عما اذا كانت من ذوات اليسار ام فقيرة. وما لا شك فيه، ان انتقاء الملابس يظهر الشخصية بحقيقتها، لذلك يجب ان لا ندهش عندما يحكم علينا الناس بمجرد نظرهم الى مظاهرنا الخارجية التي قررناها بملء ارادتنا.
ولا تمنع الحشمة والرصانة الضروريتان في الاناقة ظهور الشخصية احيانا خارجة على التقاليد المعروفة في الزي الذي يكون شائعاً بين الناس. فالاشخاص
الذين لهم ميول خيالية واذواق شعرية يسمحون لشخصيتهم بالظهور لا سيما اولئك الذين لهم ثقة بانفسهم، فاقل شيء يضاف على المظهر الخارجي على سبيل التأنق كالقفازات او المحرمة او الخاتم قد يظهر عدم تناسب ولكنه في الوقت نفسه ينم عن ذوق سليم.
والاناقة لا تعتمد على شيء من الامور التالية: النظام او عدمه والترتيب او عدم الترتيب، انما ابرز صفاتها الاعتدال في احد هذه المظاهر. وهذا هو السبب الذي يجعل المتفاخرين والجبناء بعيدين عن الاناقة بعد الارض عن السماء. وهي تسير بفعل القواعد القديمة ولكنها تتأثر كثيرا بالقواعد الحديثة اذا كانت هذه القواعد منبعثة عن ذوق سليم بحيث تستطيع البقاء بالرغم من تبديل الازياء والاشخاص وليس ثمت من عدو لدود للاناقة اكثر من المغالاة فيها.
وتوحي الاناقة الى الناظر وحياً مستحباً فتجعله يعترف بصاحبها انها جميل. ولكن الجمال نفسه لا ينم عن الاناقة دائماً. فقد تكونين آية في الجمال ولكنك لست على شيء من الاناقة لذا يجب ان لا نعبر عن الجمال بالاناقة مطلقاً حتى ولو اجتمعت الميزتان في شخص واحد لان عناصرهما منفصلة الواحدة عن الاخرى. فبينما نرى ان للزمن تأثيراً عظيماً على الجمال اذ تذبل زهرته بمرور الزمن وتذوب نضارته بذهاب عهد الصبا والشباب، نجد ان الاناقة لا يؤثر فيها الزمن مهما طال عهده، كما انها لا تتأثر بالفقر اذا كانت متأصلة في طباع صاحبها.



