لا نخطئ اذا زعمنا ان اكثر الناس عندنا لا يزالون ، في بعض نواحي تفكيرهم الاجتماعي ، يعيشون في العصر الماضي . فكأنهم اقاموا حاجزا بينهم وبين تطورات العصر الحالي من اقتصادية وعلمية وسياسية ، فلا يستطيعون ان يشهدوا تأثيرها القوي الشامل في جميع ميادين الحياة ولا سيما ناحية الاجتماع .
وقد يزول عجبنا لهذا الامر اذا ذكرنا ان التطور المادي كان وما زال سابقا للتطور الروحي . وان تطور الانسان العصري في ناحية الاختراعات والعلوم التطبيقية يفوق كثيرا تطوره في النواحي الاجتماعية والاخلاقية . اي ان المجتمع يتقدم ماديا بسرعة عظيمة ويبقى تقدمه الاجتماعي والاخلاقي كمشية السلحفاة . وهذا الاخلال بالتوازن مصدر شقاء المجتمع الحالي وسبب الازمات والمشاكل الهائلة التي يواجهها العصر الحديث .
وهذا ما يقوله باحث غربي في هذا الموضوع : « لا يزال الفرق شاسعاً بين نظامنا الاقتصادي ونظامنا الاجتماعي في ناحية التطور . ان دوائرنا الاقتصادية قد فتحت ابوابها لتشغيل النساء المتزوجات . وقد رأينا عدد النساء العاملات يزداد يوما عن يوم في المصانع والمكاتب ومعاهد العلم العالي والمستشفيات وسائر المؤسسات . اما نظامنا الاجتماعي فلم ينجح بعد تماماً في التكيف حسب هذه الظاهرة الاقتصادية ولا يزال يتشبث بالرأي القائل ان محل المرأة هو البيت رغم ان
هذا الرأي لم يعد عملياً في نظام معيشتنا الجديد . فيا له من قزم يحاول مصاولة جبار ! » .
غير ان هذا التطور الاجتماعي واقع حتماً وان كانت خطواته بطيئة . وقد اصاب رشاشه جميع دوائر الاجتماع ومن ضمنها العائلة التي تعد اقدم واثبت معهد اجتماعي وبالتالي معقل المحافظة والجمود ، واحياناً معقل الرجعية .
ولقد قامت العائلة منذ اقدم عهودها بثلاث وظائف اساسية : التناسل ، التعاون الاقتصادي ، العناية بالاولاد . وكانت وظائفها
تتسع وتتكيف بتكيف المجتمع فأوصلها بعضهم الى ست : الوظيفة العاطفية او الودية ، الاقتصادية ، الملاهي البيتية ، التهذيب والتربية الدينية ، الحماية . ومنهم من يجمعها في اربع تشمل كل شيء : الوظيفة التناسلية ، والاقتصادية ، والعاطفية ، والثقافية .
اما الوظيفة التناسلية فلا تزال من اهم وظائف العائلة لا سيما في الاقطار التي تهتم بتشجيع النسل لغايات وطنية حربية نظير المانيا قبيل الحرب الاخيرة . وقد عظمت اهمية هذه الوظيفة في عهد النظام القبلي الذي توقفت فيه اهمية القبيلة على كثرة عددها وكثرة الذكور المحاربين . وفي هذا العهد راج تعدد الزوجات رغبة في زيادة النسل وفي ايواء سبايا الحرب . وذلك ما نراه في العهد الجاهلي عند العرب ، كما اننا نرى بقايا النظام القبلي ظاهرة عندنا في تكتل العائلة على غرار القبيلة الجاهلية ورغبة اعضائها في استكثار الاولاد الذكور . ومع ان هذه الوظيفة اقل اهمية من ذي قبل في الاوساط المتمدنة فهي لا تزال تلقى تشجيعاً خاصاً