يبدو ان مقياس الوطنية، لدى الكثرة الغالبة عندنا، هي مدى الاشتغال بالسياسة، وما عداها يحسب من الاعمال التافهة الشخصية .
ولما كان الوعي الوطني الصحيح يتطلب التعمق في ادراك الامور ، ولا يقف على الظاهر البرّاق منها، اصبح على المفكرين ان يبحثوا هذه المواضيع على ضوء الاختصاص لتأتي اسباب النهضة شاملة وعناصرها قوية راسخة تتناول الظاهر منها والمستتر، كما يتناول الباني الاسس المدفونة في الاعماق والعمد المشخرة في الهواء .
لقد ساهمت حفنة طيبة من الفنانين اللبنانيين مع سواهم من الادباء والمفكرين، في القرن الماضي ، في انبعاث النهضة التي بين ايدينا والتي عمّ خيرها الشرق العربي بأسره ، ولكن احداً لم يذكر هذه الفئة بخير او شر ، لولا ان لهم اثاراً هنا وهناك تحمل اسماءهم وتذكرنا بهم فنردد : رحمهم الله !...
وشاء القدر ان يخلفوا من بعدهم تلامذة تناولوا بدورهم مشعل الفن لاقام تلك الرسالة ، رسالة الفكر والجمال ، تتعاون واخوانها في دنيا الثقافة لنظهر امام العالم باننا ذوو رسالة فكرية كما كنا في الماضي البعيد .
ولعل من الخير ان نبين طرفاً عن خصائص هذا الفن اللبناني لا سيما وهو يعيش بيننا ، وان نقول كلمة سريعة فيه وفي نزعاته واهدافه والعوامل التي اثرت عليه . فالفن في واقعه هو نحن ، وهو صورة عنا .
بدأ الفن اللبناني واقعياً وحدّ نشاطه في صور الهيئة الشخصية والمواضيع الدينية . وها هو اليوم يتحرر نوعاً ، بعد ان شق طريقه نحو الحياة متقبلاً الفنان كل ماتعكسه
هذه الحياة عليه من شتى العوامل والتأثيرات المتباينة . وهو على الاجمال يسير في الطريق المستقيم من استيحاء الطبيعة وتفسيرها، تلك الطبيعة اللبنانية التي خصتها العناية باوفر قسط من الجمال والروعة وبدفقات من النور جعلتها فريدة من نوعها في عالم الانوار والالوان .
والذي يدعو للغبطة، ان الفن هنا تميز بدقة الرسم الذي هو اساس الفن وبدونه لا يستقيم له امر، وهو له بمثابة الاساس من البناء ، كذلك تميز بلطف التأليف وحسن الاخراج وانتقاء المواضيع المحلية الصرفة
التي تأتلف مع طبائعنا وتقاليدنا وتمثل نماذج عن بيوتنا وقرانا ومواطنينا بألبستهم الوطنية ووجوههم التي لوحتها شمس الشرق، فمثّل حكمة الشيخ ووقاره وعزم الشباب وحياء المرأة ولطف الطفولة وحنان الام وسربلهم جميعاً بلباسهم الوطني الذي يحمل تقاليدهم وتاريخهم وهو ما يهدف اليه الفن الذي يقول فيه الفيلسوف تين : « ان الامة التي ليس لها فن لا تاريخ لها » .
والنور والالوان هي منحة السماء لهذا الشرق العربي ، تميز بها عن العالم بما جعل الغريب يقف امامها مشدوهاً مسحوراً .

