
قد يخيل للانسان لأول وهلة ، ان النظم التي تقوم عليها الاسرة ، تشبه تلك النظم التي عند الحيوان مؤسسة على الغريزة فقط ، وانها ليست من النظم الاجتماعية في شيء . فقد يظن ان العلاقات القائمة بين الزوجين ، والروابط بين افراد العائلة وتربية الاطفال كلها نظم غريزية ، ولكن هذه نظرة خاطئة . فاذا تعنا قليلاً وجدنا ان كل شئون الاسرة من حقوق وروابط وواجبات واساليب المعيشة ليست طبيعية او غريزية فحسب ، بل هي ايضاً ظواهر انسانية من صنع المجتمع نفسه ، يصب الفرد فيها افعاله منذ نشأته .
فالاصل في الزواج وتكوين الاسرة المحافظة على النوع بانتاج النسل وتربية الاطفال . وهو من هذه الناحية يعتبر نظاماً دينياً لان الدين يحبّذه ويعمل على تقوية اركانه .
فالاسرة نواة المجتمع والاصل في تنظيم حياة الفرد ، لذلك يجب ان تكون وحدة متماسكة قوية ، لكي تضمن بها قوة الامة وعظمتها . والمرأة عماد الاسرة وعلى مجهوداتها في تربية اطفالها يُبنى المجتمع . لذلك يجب ان تسود الاسرة روح الالفة والمحبة وان يقوم كل فرد من افرادها بما عليه من واجبات كي يتمتعوا بالسعادة باكمل معانيها .
وكلنا يعلم ان الاسرة تنموا وتتكاثر بالنسل . فكلما ظهر في افقها نجم ، كان له عليها حقوق وواجبات . فمن حق الابناء على الآباء وهم في اول عهدهم بالحياة ،
ان يتعهدهم بالرعاية والعناية ليكفلا لهم اسباب النمو والصحة الجيدة ، وان يقوّما نفوسهم ، ويعودهم العادات الصالحة والفضائل المحبوبة ، كما يغذي عقولهم بالعلوم والمعارف المناسبة لسنهم ، حتى يشبوا ويترعرعوا في ظلها ، اقوياء الاجسام ، اصحاء العقول ، نامي المدارك ، يواجهون حياتهم المستقبلية بثبات وقوة .
ومرحلة الحمل لها اهميتها في حياة الطفل اذ فيها يتكون الجنين وهو في هذه الفترة عرضة لجميع المؤثرات . فالعناية بالطفل تبدأ قبل الوضع والأم بحكم اتصالها به يجب ان تعتني بصحتها وغذائها وراحتها ورياضتها ، وعليها ان تعيش عيشة هادئة مريحة ، بعيدة عن المشاغل التي تثير القلق واضطراب الفكر والاّ تركن الى

الكسل لانه ربما سبب لها امراضاً عصبية علاوة على انه يفسح امامها المجال للاوهام والخيالات التي قد يكون لها تأثير سيء في الجنين ، وان تحاط بجو من السرور والبهجة لتريح عقلها واعصابها ليشب الطفل هادئاً قوي الاعصاب ، وتبتعد عن كل ما يثير فيها الانفعالات الشديدة كالرعب والخوف والحزن وغيره ، لان ذلك ينشئ الطفل جباناً يذعر لاقل المفاجآت .
ومن الواجبات المهمة سهر الآباء على تعليم ابنائهم وثقافتهم ورعايتهم في مرحلة الطفولة وما يتبعها من مراحل ، أي منذ أن يُلحق الطفل بالروضة أو ما يقوم مقامها وينقل منها الى مراحل التعليم المختلفة الى ان يصير قادراً على كسب عيشه .
تكاد تكون تربية الاطفال الوظيفة
الاصلية للأسرة وعلى الاباء يقع قسط كبير من واجب التربية الخلقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة ، بل وفي المراحل التي تليها . ولا يخفى ما للطمأنينة التي يشعر بها الطفل في ظل الحنان الابوي من اثر في نموه وسعادته اذ نراه يستقبل الحياة بسرور واطمئنان على حين يدفعه حرصه الطبيعي على الاحتفاظ بتلك الرعاية ، فيبذل طاقته لارضاء من يسهرون على راحته ويشملونه بعطفهم وحنانهم فيعطيهم ويرضيهم كما يبتعد عن الاتيان بما يسبب نفورهم وغضبهم ... وقد أظهر علم النفس الحديث ان الطفل الذي يحرم هذا العطف ينشأ معتدلاً فاقد التوازن العاطفي . فالحياة العائلية وجو الاسرة العام يوجهان الطفل الوجهات الاجتماعية الاولى فينشأ على اسس منظمة للحياة كما تنتقل اليه كثير من العادات والتقاليد لبلاده وتعاليم دينه وغيرها ، الامر الذي لا تستطيع ان تقوم به أي هيئة أخرى الاّ الأسرة .
هذا والاسرة بحكم تكوينها تتطلب التعاون والثقة والوفاء لذلك فهي ميدان فسيح لنمو الفضائل الاجتماعية والصفات الطيبة في نفس الاطفال بطريقة طبيعية لا مشقة فيها ولا عناء . فالاخلاص والتضحية والتعاون والوفاء كلها صفات لا يمكن غرسها الا في ارض الاسرة الطيبة ولا تنمو وتزدهر في جو أفضل من جو الاسرة الصحو . فاخلاص الزوج لزوجته ومحبتها وعطفها وتضحيتها في سبيل سعادة ابنائها وتعاون الجميع تحت لواء الثقة والمودة كلها فضائل تنطبع في الصغار فيشبون عليها وما اشد قابليتهم لتقليد من يحيطون بهم وتأثرهم فيهم بعامل الادعاء والمشاركة الوجدانية .
وعلى النقيض من ذلك هو الطفل الذي [...]