بين يديّ « ميثاق الامم المتحدة » ، وهو يعرف الاثنتين والخمسين دولة التي اشتركت في تحضيره وأقرته بالاجماع ، كفيل بان « يصون الاجيال المقبلة من بلية الحروب » . أقلبه ، وأمعن النظر في بعض فقراته ، وكأن لي به سابق معرفة . فهذه التعابير الملتوية ، وهذا التفنن في الانفلات من المآزق الحرجة ، تذكرني ميثاق آخر ، وضع في ظروف مماثلة ، عقب حرب عالمية كبرى ، وأقرّ باجماع الدول المحالفة ، وقيل عنه إنه « يفتح سفراً جديداً في تاريخ البشرية ، ويضمن لها الرفاهية والسلام » ... هو ميثاق « عصبة الامم » ، ما كاد يجفّ مداده ، حتى اندلعت الثورات والحروب في اربعة اطراف المعمور ، ثم انفجرت الحرب الكبرى ، الحرب العالمية الثانية .
حقاً ان بين الميثاقين لشبهاً غريباً مريباً .
انا لا اقصد الشبه في الشكل والنص والحرف . فتلك امور سطحية يتلهى بها احياناً علماء القانون ويقتلونها درساً وتمحيصاً . ان ما يهمني هو ان انفذ الى الجوهر ، الى النوايا ، الى الروح التي اوحت هذا الكلام المعسول بعد ان دبرت طرقاً خفية للتهرب منه وبما ينجم عنه من مسؤوليات .
اقرأ المادة الاولى من الميثاق ، وهي تعلن بصراحة ووضوح ان غاية المنظمة هي « ان تحافظ على السلام والامن العالميين » ، وتبين ايضاً انها توصلاً لهذه الغاية تحتم على المنظمة اتخاذ تدابير فعالة « لازالة كل ما من شأنه ان يهدد السلام » ومعاقبة « كل اعتداء وخرق للسلام ، وتصفية الخلافات التي قد تؤدي الى تصدع السلام » .
هذا هو الكلام المعسول ، وقد وردت فيه لفظة « السلام » اربع مرات متوالية في جملة واحدة !
اما الطرق الخفية ، اما الحيل التي استنبطها مكر السياسيين لجعل هذا الكلام هباء ، فدونك بعضها :
اولا - لم يتعرض الميثاق بكلمة واحدة ، ولم يلمح ولو تلميحاً خفياً حياً الى اهم الاسباب التي تعكر السلام في عالمنا الحاضر ، أعني الاسباب الاقتصادية . فاقتسام المواد الخام ، واحتلال
الاسواق التجارية العالمية ، وهما اخطر القضايا الانترناسيونية على الاطلاق ، لم يحظيا باهتمام الدول الحليفة في مؤتمر سان فرنسيسكو وفي المؤتمرات التحضيرية التي مهدت له . والواقع ان هذه الدول آثرت السكوت والتغاضي ، وتهربت من اثارة هذه القضايا الشائكة . فكان ان بقي الخلاف في الاساس على ما كان عليه قبل هذه الحرب وقبل مؤتمر سان فرنسيسكو . ولا يزال في العالم فريقان من الدول : دول مستأثرة بثروات الارض ، ودول محرومة منها .
ثانياً - ان الاسس التي بنيت عليها منظمة الامم المتحدة ليست اسساً « عالمية » بما لهذه الكلمة من شمول . فالدول المتحدة هي في الواقع جبهة الدول الظافرة ، الدول التي تغلبت على المانيا وحليفتها . وسواء أ التحقت الدول المقهورة بمنظمة الامم المتحدة في المستقبل او لم تلتحق بها ، فموقفها المقبل لن يبدل شيئاً في جوهر الامور . وستحمل المنظمة « خطيئتها الاصلية » حتى النهاية . فالنظام الذي اوجدها لكي تدعمه وتتعهده ، نظام مغرض اراده فريق دون فريق . اضف الى ذلك ان العلاقات بين الدول الظافرة والدول المغلوبة تحدد وتقرر خارج المنظمة ، في مؤتمرات الصلح والعواصم الكبرى ، وليس للامم المتحدة ان تبدي رأياً فيها . وستكون غداً معاهدات الصلح عبئاً ثقيلاً على كاهل المنظمة ، عبئاً مضنياً مرهقاً تخور دونه القوى والعزائم ...
ثالثاً - لم يوجد الميثاق هيئة حيادية للفصل في الخلافات ، فاعضاء المنظمة هم ممثلو دول ذات مصالح متناقضة ، لا يحركون ساكناً ولا ينبسون ببنت شفة الا بإيعاز من حكوماتهم . فلا يجوز والحالة هذه ان تعتبر منظمة الامم المتحدة محكمة عدل عليا ، اذ ان قضاتها لا يتمتعون بشيء من الاستقلال ، وكثيراً ما يكون فيها القضاة هم المتداعين انفسهم ...
رابعاً - يشترط الميثاق ان تتخذ قرارات مجلس الامن - ومجلس الامن هو الهيئة الرئيسية في المنظمة - باكثرية سبعة اصوات على الاقل ( من اصل احد عشر صوتاً ) . ويشترط ايضاً