— وهنا عنصر الفساد الأساسي — أن يتحقق في هذه الأصوات السبعة، أصوات الدول الخمس الكبرى بأجمعها (المادة ٢٧). أي أن مجلس الأمن لا يمكنه أن يتخذ قراراً إلا إذا وافقت على هذا القرار الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة والصين وفرنسا. فإذا رأت إحدى هذه الدول أن تخالف رفيقاتها في أي موضوع كان، فإنها تشل أعمال المنظمة شللاً كاملاً، حتى إذا كانت جميع دول الأرض مخالفة لها في الرأي. ومتى ذكرنا أن الدول لا تصغي إلا لصوت مصالحها، وأن للدول الكبرى مصالح في جميع أنحاء المعمور، وأن هذه المصالح متضاربة متناقضة في أكثر الأحيان، فقدنا أو كدنا نفقد كل أمل في أن يتخذ مجلس الأمن قراراً صالحاً في أية قضية ذات شأن من القضايا المعروضة عليه.

خامساً — وافقت الدول المشتركة في مؤتمر سان فرنسيسكو موافقة مبدئية على ضرورة «تنظيم» التسلح (وافقت على «تنظيمه» لا على «نزعه» ولا «تخفيضه»)، ولست أدري ما هو المقصود بلفظة «تنظيم» التسلح، فهي من الألفاظ التي ترد في غير محلها، ويمكن تفسيرها على ألف وجه ووجه، ولا شك في أن الدول انتقتها عمداً لأنها تفي تماماً بالمرام وتتسع لشتى التفسيرات والنظريات الغربية العجيبة. ومع ذلك، وبالرغم من أن «تنظيم» التسلح لا يعني شيئاً في الواقع، فإن المنظمة تتهرب من التلميح إليه، ولا أظنها تجرؤ على آثارته في مستقبل قريب. وفي هذه الأثناء ترى الدول الكبرى ماضية في بناء المصانع الحربية الضخمة وتحسين أسلحتها وتشجيع الاكتشافات والاختراعات «العلمية» التي تضاعف مقدرتها التدميرية. والتسلح، وأن لم يكن هو سبب الحرب المباشر، إلا أنه يثير الاعتزاز والغرور ويشجع على خوض غمار الحرب لأنه يقوي الأمل في التغلب.
سادساً — لا تملك منظمة الأمم المتحدة أية وسيلة فعالة لتنفيذ مقرراتها. فقد كان من المنتظر، ومن المتفق عليه في مؤتمر سان فرنسيسكو، أن تضع الدول تحت تصرف الأمم المتحدة قوى مسلحة تمكنها من تنفيذ مقرراتها. إلا أن نصوص الميثاق المتعلقة بهذا الأمر تكتفي بتقرير المبدأ، وترجىء التنفيذ إلى أجل غير مسمى، وتمر مرور الكرام بالتفاصيل العملية، فلا تضرب موعداً، ولا تسمي دولة، ولا تعين مركزاً، ولا تحدد صلاحية، ولا تقرر مقدار المساهمة ولا شروط القيادة والتنفيذ. ولا أظن أن الدول الكبرى، وهي تتخبط اليوم في عراك سياسي جبار، وكأنها تتأهب لحرب فاصلة، وكأن هذه الحرب على الأبواب، لا أظن أن الدول أصبحت اليوم مستعدة، أكثر منها في العام الماضي، لأن تتنازل عن جزء ولو ضئيل من قواها، لتقدمها هدية لمنظمة الأمم المتحدة.
ولنفرض أن خلافاً نشب بين دولتين أو أكثر، وتفاقم، وهدد بوقوع الكارثة. (ولا نفرض، مع أن الفرض يكون في محله، أن الكارثة وقعت بالفعل، فنشوب الحرب يجب أن يعتبر حكماً بالإعدام على منظمة الأمم المتحدة، حكماً مبرماً منفذاً في الحال). هب أن مجلس الأمن وفق بعد طول الجهد والعناء، وبعد تقارير اللجان والخبراء، إلى اتخاذ قرار تحقق فيه إجماع الدول الخمس الكبرى، فهل تستطيع منظمة الأمم المتحدة أن تنفذ هذا القرار إذا امتنعت دولة عن تنفيذه بملء رضاها؟ إن الميثاق يرى في هذه الحالة، أن يطلب مجلس الأمن من أعضاء المنظمة إنزال العقوبات الاقتصادية بالعضو الناشز (ولا تقرر العقوبات إلا بإجماع الدول الكبرى طبعاً). فإذا لم تكن العقوبات الاقتصادية، فيطلب من الأعضاء (تمشياً على الأصول نفسها) تطبيق بعض العقوبات العسكرية. ولا تظن هذه «العقوبات» أمراً خطيراً، فليس في اللفظة ما يخيف سوى الاسم. أما ما ينطوي عليه الاسم، فلا يخرج عن كونه مداعبة بريئة وتهويلاً أفلاطونياً. وقد وصفته المادة ٤٢ فأوردت مثلاً على «العقوبات» العسكرية: «القيام بمناورات، وفرض حصار تحققه القوى التابعة لأعضاء المنظمة». ولا أظن هذه العقوبات تطبق، وإذا طبقت يوماً، فهي على كل حال لا تخيف، وقد لا تحدث أثراً سوى أن يتجهم على شواطئ البلد المحاصر صبية المدن الساحلية ليتفرجوا على بوارج الدول الحليفة وهي تقوم بالمناورات.
لا، إن منظمة الأمم المتحدة لا تستطيع أن تمنع وقوع الحرب. فالقيود التي تفرضها على الدول قيود كلامية لا تنقص من حرية أحد، ولا يأبه لها أحد.
إن الحرب ضرورة محتمة في عالمنا الحاضر، لأن عالمنا قائم على أسس فاسدة. وهذه الأسس الفاسدة هي تقسيم العالم إلى دول «مستقلة» لا يهمها سوى تحقيق مصالحها الخاصة، بقطع النظر عن
