
مصالح غيرها وحقوقه . وان لم تنشأ في العالم سلطة عليا تشرف على الدول كما تشرف الحكومة المركزية على الادارات المحلية ، وإن لم يكن لهذه السلطة وحدها حق اقتناء الجيوش والمعدات لتنفذ مقرراتها بالقوة اذا اقتضى الامر ، فلن يتحقق السلام العالمي .
وقد يكون البحث في تشكيل هذه الحكومة العالمية ضرباً من الخيال المحض في الظروف الحاضرة ، الا انه هو الطريق الوحيد الذي يجب سلوكه لبلوغ الهدف .
وتشكيل حكومة عالمية هو في الواقع مشروع خيالي. فأمن دولة من دول العالم تتنازل مختارة عن « سيادتها » القومية المطلقة وعن حق اقتناء القوى المسلحة . ولها الحق في ألا تتنازل ، فالتضحية الفردية لا تجدي . لها الحق ، لان النظام الاقتصادي السائد، أعني النظام الرأسمالي ، يحتم على الدول الصناعية ان تكون دولاً مستعمرة ، لكي تتوصل الى موارد المواد الخام لتغذية صناعاتها ، وتفتح اسواقاً تجارية لتصريف منتوجاتها ، وتحتل مراكز ستراتيجية وتبني اساطيل جبارة وتجيش الجيوش للدفاع عن مركزها الاقتصادي عند الاقتضاء . ولا يمكن لأي بلد من البلدان
الصناعية الرأسمالية ان يستغني عن المواد الخام الموجودة خارج حدوده ، ولا ان يصرف منتوجاته ضمن هذه الحدود . فالمضاربة ، وهي احدى قواعد الرأسمالية ، لا تسمح بالبقاء الا الذي يخفض اسعار مبيعه ، ولا تخفض اسعار المبيع الا اذا امكن الحصول على المواد الخام بأدنى سعر ممكن ( فيفرض الرأسمالي سلطة دولته على البلدان الضعيفة ويستغل مواردها بشروط موافقة ) ، واذا تدنت اجور العمال الى ادنى حدودها ( فيحدّ هذا التدني من مقدرة العمال الشرائية ، ويعجز الصناعي عندئذ عن تصريف بضاعته داخل حدود بلاده ، ويفتش عن اسواق خارجية ) .
هذا هو الداء : ان بواعث الحروب في عصرنا الحاضر هي في اساسها واصلها بواعث اقتصادية ، ولا يمكن التفكير بإزالة الحروب الا اذا ازيلت بواعثها ، فانهار النظام الاقتصادي الحاضر ، وحلّ محله نظام آخر يعالج قضايا الانتاج والتوزيع معالجة مبنية على قواعد العلم والعدل والمساواة .
لا تزول الحروب الا اذا قامت حكومة عالمية ، ولا يمكن ان تقوم حكومة عالمية الا اذا زال النظام الرأسمالي .

كلا ثم كلا ثم كلا . وذلك لان التوجيهات الفكرية والعاطفية في العالم المتمدن بأسره في هذه الايام كانت ولم تزل نحو الاهداف السلمية . والنشاط العملي في اوروبا واميركا وآسيا كان ولم يزل في سبيل تحقيق هذه الاهداف . واعظم برهان على ذلك ولادة المنظمة المسماة بالامم المتحدة ومنشؤها . ولا عبرة بالغيوم القليلة السوداء التي تكتنف الجو الروسي الانكلوسكسوني ، ومن الواضح انه ان كان ثمة من امكانية وقوع حرب فستكون بين هذين المعسكرين . وكلاهما بموجب دلالة القرائن الحاضرة على غير استعداد عقلي أو عملي للتطويح بنفوسها في خوض غمار حرب جديدة ربما كانت القاضية على المدنية الحاضرة ان لم يكن على العائلة البشرية .
لن تنشب حرب عالمية ثالثة
في مدى عشر سنوات ، وذلك :
اولا - لان الشعوب لم ولن تنسى في هذه المدة ما ذاقته من ويلات وفظائع ، ولن يتسنى لها ان ترجع حالة بلادها الى ما كانت عليه قبلاً ، وهذا ما يقصيها عن اعادة الكرة .
ثانياً - لان الاغراق في التسلح والتجنيد القائمين يهيب بالدول لتخشى بعضها بعضاً فلا تزج نفسها بمآزق تخاف ان تنقصها القوة الكافية للفوز .
ثالثاً - للخوف من القنبلة الذرية .
رابعاً - الفائز بالحرب الاخيرة يهمه ان يبقى هو الفائز ، والمغلوب يخاف من جرة الحبل .
خامساً - لان المرأة لا تريد حرباً ثالثة ، وما تريده المرأة يريده الله والعالم ، وستجتهد لبث هذه الفكرة في اولادها والنشء الحديث وفي المؤتمرات ، لان كل عواقب الحروب الوخيمة تقع على عاتقها - اماً وزوجة واختاً .
الجواب عن هذا السؤال الدقيق يحتاج الى عالم بالغيب ، او سياسي محنك . وبرغم ذلك ، اجيب بأني اميل الى التفاؤل ، ولا اعتقد بنشوب حرب عالمية ثالثة في مدى عشر سنوات ، وذلك للاسباب الآتية :
اولا - وجود العالم اليوم في دور نقاهة وتعمير لا يسمح له بالاستعداد المادي اللازم لخوض حرب عالمية كبرى .
ثانياً - وجود القنبلة الذرية في ايدي دول اشتهرت بمحافظتها على الديمقراطية ، او على الاقل بابتعادها عن تحمل تبعات اشعال حرب اعتدائية ربما سببت فناء المدنية .
ثالثاً - تعدد تعميم صنع القنبلة في هذه المدة .
رابعاً - نشاط منظمة الامم المتحدة ونمو فكرة التضامن الدولي التي اخذت تملك عناية الكثيرين من رجال السياسة والفكر في العالم .