وكم اتوق للعودة الى « كيتس » بين الآونة والآونة ، فاعيش معه لحظات تزداد سعادتهن بازدياد مقدرتي على السموّ الى اعاليه . هو اقرب الناس الى شكسبير ، ولو امدّ الله بحياته اكثر من هذه السنوات الست والعشرين ، للحق بسيد الشعراء الى العتبة . على هذا يكاد يجمع النقاد . فتأمل اية خسارة تكبدها الادب بموته الباكر .
لقد جابل « كيتس » عباقرة للفكر والفن امثال «شلي» و «بيرون» و«غوته» و «بيتهوفن» و «هيغل» ، فعاش في زمن بلغت فيه الموجة الرومنطيقية عزّها . وبينا غرق معظم معاصريه في عبابها ، نجده هو
على نضارة عوده، يهتدي الى قارب النجاة: الكلاسيكية ، فيتمسك به في مثل تمسك الغريق، فيعيد للفن الاصيل رونق التعبير المشرق وجلال الفكرة القديم .
وكان اذن، من صفاته البعد عن الميعان العاطفي والذوبان المتصوّف اللامسؤول في الطبيعة والحياة . اجل لقد تأثر بمرض الجيل ولكن الى حدّ نجده عنده قابضاً كالجبابرة على عنان عاطفته وفكره . ومن هنا كان له هذا التفوق الذي لا جدال فيه ، وكان له ايضاً هذا الحظ بالاقتراب من شكسبير .
اشد ما يعجبني في « كيتس » احساسه العميق . فهو يفكر بقلبه ويشعر بعقله ،
وهو الى ذلك ، صديق للحياة مخلص حميم: يغرف منها وكأنه يعطيها اكثر مما يأخذ منها . وهذا لعمري منتهى السماحة والنبل . وقلما اقترب من الطبيعة وانسحر بها ووصفها مشدوهاً كما فعل « شلي » مثلًا ، او تعجرف عليها وسخّرها لاغراضه كما كانت الحال مع «بيرون» . فكيتس من العمق في الاحساس الى حد انه ، اذا ما اقترب منها ، حاول ان يعيها ويتعلم منها ويخلع عليها نفسه . وهكذا كانت له القدرة على هزّ قارئه هزّاً عنيفاً قبل اثارة اعجابه واستدراجه الى الذهول المستعجل والرهبة المصطنعة .
وكيتس ، كذلك ، غريب الاحساس بالجمال . والغرابة هذه ناتجة ايضاً عن عمق احساسه . فهو اذا صوّر لك جمالاً ما ، اوشكت ان تلمسه بيديك وتراه بعينيك وتغمره بقلبك . او بكلمة اخرى، اوشكت ان تشتهيه — ولا اقول تحبه لان الشهوة اصدق تعبيراً في مثل هذه الحال، من الحب .
ولطالما تراءى لي ، وانا اقرأ كيتس، ان الانسان لا يمكن ان يكون الا خالداً، وان الوجود الانساني ليس مجرد صدفة او نشوء طبيعي . هنالك عقل وروح يتعاونان معاً ليخلقا — ليشاركا الله في الخلق . ان الكون واسطة وليس غاية ، فلا تعجب، يا قارئي ، لهذا القول ولا تتبرم به . حسبك ان تعود الى نفسك هنيهة وتفحصها جيداً فانك ولا ريب ، واجد في اعمق اعماقها قدرة لا تحدّ ولا تحصر .
وبعد فانني من المعجبين بكيتس الى حدّ بعيد . فهو لا يفارق حقيبتي . وكلما أنست من نفسي ميلًا الى الاغتراب الروحي الفني في عالم الجمال ، اقبلت على روائع « كيتس » انشد منها وانشد ، الى ان يحين موعد الرجوع الى هذا الواقع الذي انا فيه ، والذي لا اجد فيه عزاء ما يفوق عزائي ساعة اتناول القلم لأسطّر على القرطاس عالماً خاصاً خلقته انا بنفسي ...
١٦ آب سنة ١٩٤٦


