يتبادر إلى ذهن القارئ ، عند رؤية هذا العنوان ، أننا أعددنا مكتبة لغير الطفل ! وفي الواقع أننا ما أعددنا المكتبة المثلى بعد ، لا للطفل ولا لغير الطفل . فالمكتبة ليست مكتبة إنسانية ، إلا إذا انفتحت لكل كتاب قيم في أي لغة من لغات الأرض . ولكننا نرغب الآن في تخصيص السؤال لمكتبة الطفل !
ماذا كتبنا لأطفالنا بالعربية ؟ لاشيء ! رغم محاولات جبارة ، قام بها كامل كيلاني ، فكانت مجموعة من الكتب ، تقع في أكثر من خمسين مجلداً ، حوت باقة من «العناوين» وأحياناً أكثر من العناوين ، لأجمل القصص والأساطير العالمية ، ولكنها من حيث اللغة وأسلوب التعبير ليست في متناول الطفل ، حتى ولا في متناول الفتى . وأخجل أن أقول أنها ليست في متناول إنسان . ففيها من التقعر في التعبير ، والتعنت في «نبش» الكلمات البعيدة الضخمة ، ما يطمس القصة ويجعلها مصدر ملل لأي كان ! فكان شأن كامل كيلاني مع الأطفال ، شأن ذلك الطير الذي دعا الثعلب إلى وليمة صبها في إناء ضيق العنق طويله ، فلم يستطع «الضيف» أن يعرف نوع الطعام !
وإلى القارئ تدليلاً على ما أقول ، أجزاء من مقدمة إحدى تلك القصص ، قال : «وظلت تتعجلني إنجازها ، وتعتب علي في هذا الإبطاء ، وتحسب أنني قد تعمدت إغضابك» ... إلى أن يقول «أما أنت فقد أعجبك هذا الغذاء الفكري الشهي فاستمرأته ! .. ولست ألومك على الحافك وتعجلك الخ ...
أقول هذا مع اليقين أن المواضيع التي اختارها كامل كيلاني لقصصه ، والمجهود الذي قام به من أجل الأطفال ، لو أقترنا بإدراك كامل لعقلية الطفل وكفاءته اللغوية ، لسدّ فراغاً في حياة الطفل الفكرية طالما شكونا منه .
فليس عند طفلنا غذاء فكري أو روحي وليس عند طفلنا سلوى بنّاءة .
وليس كالقصص ، والأدب الحلو الساذج ، غذاء لعقول الأطفال . ولقد فكرت جامعة نساء لبنان ، حال تأسيسها ، بهذه الناحية ، فأنشأت مباراة للأطفال ، ساهم فيها أكثر من أربعين كاتباً عربياً وكاتبة ، وكان لي شرف التحكيم في نتيجتها ، فقرأنا جميع ما ورد ولم نجد قصة مثلى للطفل رغم ما كان في القصص المتبارية من محاولات موفقة . وفي ذلك دليل على أن الموضوع
لم يصبح له عندنا تقاليد بعد : بينما نجد في مكتبة الطفل الغربي من القصص الطلبة الجذابة وحدها ما يعلمه مبادئ العلم والجغرافية والفنون والتاريخ ، وما يهذب روحه وعقله ، ويجعل من فراغه تطوراً إيجابياً كامل التوجيه . وليس الأمر عسيراً عندنا بعد أن أدرك مفكرو الغرب وقادة التربية فيه أسرار لذة الطفل ، فأوجدوا له القصص التي تحمل جميع عناصر التشويق . والطفل طفل في كل مكان ، فما علينا إلا أن نكرس مجهوداً خاصاً لترجمة تلك المكتبة الغنية ، مع إعطائها بعض الصبغة المحلية ، محافظين دائماً على اللغة التي يمكن أن تعتبر أداة صحيحة لإيصال ما نريد أن نوصله للطفل ، دون أن نشوه له علمه
اللغوي . وفي اللغة العربية من المرونة وإمكانيات الاستيعاب ما يكفل ذلك ، وأكثر من ذلك . ولست بذلك أدعو ضد التأليف للطفل ، ولكن أجد أن الحاجة إلى تغذيته ملحة إلى حدّ يجعلنا نبدأ بالأقرب والأهون إلى أن ينبغ عندنا ذلك العصامي الكبير الذي يستطيع أن يوصل حقائق الخير والحق والجمال إلى قلب الطفل .


