يهم الأديب أن يقرأ مثل هذا الشعر وأن يعرف أنه من نظم إبراهيم الموصلي وغنائه، قبل أن يعرف من هو إبراهيم هذا؟ وأن لقبه كان ميموناً فصار الموصلي، وأن هذا الموصلي لم يكن من الموصل وإنما سافر إليها فصحب جماعات من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم ويجمعون ما يفيدونه فيسكرون ويعربدون، ويغنون، فنسب إلى هذا البلد.
ويهم الأديب أن يعرف أنه لم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان، وأنه كان إذا غنى وضرب له منصور المعروف بزلزل، اهتز لها المجلس.
يهمنا معرفة هذا قبل أن نعرف أنه من أصل عجمي مثلاً، مولود الكوفة سنة ١٢٥ هـ وقد توفي في بغداد سنة ١٨٨ هـ ولعل إبراهيم هذا يزيد قدره في عيوننا متى عرفنا أن المهديّ هو أول خليفة سمعه فوقع من قلبه كل موقع. ولإبراهيم مع المهدي حكايات وحكايات. المهدي لا يشرب ويريد من مغنينا أن يمتنع عن الشرب. وإبراهيم، رغم عراقيّته، يعتنق المذهبين فيطبّق على نفسه قول ابن عبد ربّه بشقّيه:
ديننا في السماع دين مدينيّ
وفي شربنا الشراب عراقي
حدّث عن نفسه قال:
«كان المهدي لا يشرب، فأرادني على ملازمته وترك الشراب، فأبيت عليه، وكنت أغيب عنه الأيام، فإذا جئته جئته منتشياً. فغاظه ذلك مني فضربني وحبسني»
وكان يدخل على موسى وهارون ولدي المهدي يشرب معها حتى يسكروا فإذا قام أحد الساعين وهم كُثر في كل زمان ومكان، يسعى بهم إلى المهدي أمر بإبراهيم فضرب مئات السياط وهو يقول له: «إن جرمي ليس من الإجرام التي



