مما لا شك فيه أن بحث المرأة لا يكون بحثاً شاملاً أن هو اقتصر على النواحي التي تعوّدنا أو بالأصح عوّدنا الكتّاب أن يطرقوها كلما عالجوا موضوعها وبحثوه. إذن سأبتعد عن هذا الجانب من البحث، فأبحث المرأة من ناحية قد أسميها «فلسفة المرأة الاجتماعية» أو بتعبير أصح «فلسفة حياة المرأة من الناحية النفسية والاجتماعية» وعلاقة هذه الحياة بنشأة الطفل وحياة الرجل والأمة.
ولا بد لي قبل أن أوضح وأحلل بعض المشكلات التي تنشأ عن مشكلة المرأة، لا بد لي من تقسيم أوضاعها إلى ثلاثة أقسام:
١ - المستعبدة التي ترى في الاستعباد وضعاً طبيعياً، بل ترى كل وضع سواه ليس إلا وضعاً مغلوطاً. وقد أنبتت هذه العقيدة فيها منذ نشأتها وأصبحت من التأصل بحيث صار انتزاعها منها أمراً عسيراً. وليس يخاف أن البيئة سواء في داخل البيت أم خارجه، هي العامل الأساسي على تأصلها فيها، وفرض عليها العقلية التي تنجم عنها.
٢ - المتحررة: وهي التي لا يكاد يكون لها وجود في أوساطنا. إذ هل نعرفها أو نلمس لها وجوداً بيننا تلك التي قطعت ما يقوم فاصلاً بينها وبين الحياة. وانطلقت بنفسها لا من قفص البيئة الواحد، بل من أقفاصها جميعاً، انطلقت تحلق في جو هذه الحياة حرة إلا من القيود المشروعة التي تفرضها على نفسها، أو التي تفرضها الحرية على نفسها لكي تبقى مصانة كرامتها، تنظر إلى الحياة نظرة صحيحة سليمة، لا تخشى من ورائها مكروها، لأن هذه النظرة لا تحمل من نفسها إلا أصفى المعاني ولأن الصلة قائمة متينة بينها وبين هذه
الحياة. فهي قد أدركت أن الحياة وإن جارت عليها، فلا بد أن تلين، بل لا بد لها أن تحملها هي بقدرتها وحسن تدبيرها الأمور على هذه اللبونة. أو ليست الحياة في صميمها، وهي في صميم الحياة. إذن فلا خوف عليها منها، ما دامت قد نفذت إلى أعماقها وتمكنت من هدم ما يقوم بينها من الحواجز.
٣ - المستعبدة التي هي بين بين. وهذه أيضاً يقسم وضعها إلى قسمين: أما أحداهما فأميل إلى المستعبدة ونسميها النصف المستعبدة، أي من يتوزع نفسها عاملان، هي تشعر من حيث لا تدري بهذا الاستعباد، ولكن اللاوعي فيها يدفع هذا الشعور، فتعتبر مثل هذا الأمر خطيئة لا بل خروجاً على المألوف المقدس، فليس عليها إذن أن تشعر أو تشكو من هذه القيود، لأن التقاليد قد حملتها إياها، ولا ريب أن شأنها من الخطورة بحيث حمل بيئتها وغير بيئتها على رفعها إلى مقام التقديس. فالشكوى منها بعد تمرداً لا بل كفراً وإلحاداً.
أما الثانية فهي تقترب من المتحررة من ناحية وتبتعد عنها من نواحٍ، ونطلق عليها اسم نصف المتحررة، أي تلك التي تحررت من قيود الظواهر وبقيت في نفسها مستعبدة لأعنف القيود المعنوية وأكثرها خطراً على حياتها النفسية ومستقبلها، وبقيت في عقلها وتفكيرها أسيرة تقلد ولا تبتكر، ولا تستمد الحياة والتفكير بهذه الحياة من ينبوعها الذاتي.
ولنعد الآن بعد ما قسمنا أوضاع المرأة العربية إلى ثلاثة أقسام، إلى بحث بعض المشاكل التي تنشأ عن مشكلتها،
وأولى هذه المشكلات، هي مشكلة البيت وأولى المعضلات التي تنبعث منه، هي معضلة الطلاق وتعدد الزوجات، فأضرار هاتين المعضلتين لا تتناول الناحية المادية من حياة المرأة والنشء فحسب، إنما هي تتناول ناحية أخطر وأجل، تتناول أخلاق كل من المرأة والرجل، الشخصية منها والاجتماعية، وسأحاول توضيح علة ذلك.
في شعبنا عيوب وسيئات نكتشفها يوماً بعد يوم، وترشدنا إليها التجارب. ولا أحسب هذه العيوب والسيئات إلا خلالاً قد أتصف بها بحكم الأوضاع الفاسدة التي تعاقبت عليه، فالنفس البشرية عند نشأتها لا تدري خيراً ولا شراً، ولا تميز حسنة من سيئة، إنما أثر البيئة وأساليبها فيها، ونوع توجيهها الروحي واحتكاكها بالحياة والناس، والعوامل المختلفة كالفقر والغنى والقلق والاستقرار التي تتضافر لنسلك بها سبلاً عديدة، كل هذه العوامل مجتمعة، تسبغ على النفس لوناً من ألوان الحياة يطبعها بطابع خاص معين. فإن كانت عيوب أمتنا تزيد على حسناتها، وإن كان ميلها للشر ترجح كفته فيها على ميل الخير، فليس معنى هذا أن المعدن فيها لا تعلق عليه سوى ميول الشر والسيئات. فهذه قد تراكمت عليه منذ أجيال وسنين، ولم يتح بعد لأحد أن يزيلها عنه ويعرضه للشمس، لكي تطهره من إدرانها.
لماذا نرى الكذب والخداع والمراوغة وإيثار المصلحة الخاصة على كل شيء، لماذا نرى هذه الصفات وغيرها شائعة في أمتنا شيوعاً مخيفاً، لماذا نلمس في أبناء شعبنا ميلاً إلى الغدر والحب والرياء؟ ألأنهم هكذا وجدوا، وهكذا شاءت الحياة أن يكونوا؟ اعتقاد كهذا وفي عصرنا هذا، يعد سذاجة لا بل بلاهة، ليست هذه السيئات أسساً ولا أصولاً. إنما هي فروع لأصول معوجة، ونتائج لأوضاع فاسدة، فالحر الصريح الذي ينشأ في بيئة حرة صريحة ويعيش مع جماعة أحرار صريحين، لا

