
ما انبلج الفجر حتى كان الحاصدون قد تجمعوا في حقل الشعير . وهو الحقل الكبير المستطيل الذي يملكه جيمز مكدارا المهندس المتقاعد . كان الحقل يبدأ على سفح ربوة وينحدر ببطء الى الطريق المحاذية للبحر المكسوة بالرمال . كان يحده سور حجري منخفض ، وكانت سنابل الشعير الصفراء تميل فوق السور وتحيطه بعقد كثيفة تتموج وتتضارب كلما مر بها نسيم الصباح مالئاً الجو بحفيفه .
اما مكدارا نفسه ، وهو رجل مسن اشيب الشعر مرتد ثوباً صوفياً خشن النسج رمادي اللون ، فكان واقفاً خارج السور على طريق البحر ، يهز عصاه ويتحدث الى نفر قليل تجمعوا في تلك الساعة المبكرة . وكان وجهه الشديد الحمرة يعلوه الانفعال ، وكان يهز عصاه «الشوم» وهو يتحدث بصوت عال الى الرجال
المحيطين به . كان يقول :
« لقد قسته وقسمته بنفسي امس ، كأعدل ما يكون التقسيم . اقسم بشرفي ان ليس من اختلاف بين القطع الثلاث ولا شبر واحد . هل ترون ؟ لقد وضعت حبالا على طول الحقل حتى لا يخطئوا . تعالوا فأريكم . »
وقاد الرجال من طرف الحقل الى الطرف الآخر واراهم كيف انه قسم الحقل الى ثلاث قطع وحدد القطع بحبال وضعها على طول الارض .
ثم صاح الرجل الهرم وقد انفعل انفعال صبيان المدارس : « بلى وايم الحق هذا اعدل ما يكون التقسيم . حين اطلق مسدسي يبدأون معاً ، والاثنان اللذان ينتهيان من قطعتهما قبل الآخرين يفوزان بخمسة جنيهات . »
فأطرق الفلاحون برؤوسهم مستحسنين
ونظروا الى مكدارا المسن نظرة جديدة ، وان كان كل منهم في قرارة نفسه يعتقد انه احق اذ ينفق جنيهات خمسة على حصد حقل يمكن ان يحصد نظير جنيهين اثنين . ولكنهم مع ذلك كانوا لا يكادون يقلون انفعالا عن مكدارا نفسه ، فان الرجال الثلاثة الذين كانوا احسن الحاصدين في جزيرة انقرارا كلها قد تقدموا للمسابقة . وكانوا الآن على رأس الحقل فوق سفح التل على اهبة للبدء . وكان مع كل زوجته لتحزم الحزم بعد قطعها ولتجلب الطعام والشراب .
وكانوا قد اقترعوا على القطع بان سحبوا ثلاث قطع من حشيش البحر من قبعة مكدارا . ثم احتلوا اماكنهم على قطعهم منتظرين ايذان البدء . وبرغم ان الشمس لم تكن بعد قد دفأت الارض ونسيم البحر ما يزال بارداً ، فقد خلع كل رجل منهم ملابسه الا قميصه وكانت القمصان مفتوحة عند العنق والاكمام مشمرة فوق المرفق . كانوا يلبسون قمصاناً صوفية رمادية ، وقد تنطق كل منهم بمنطقة منسوجة من الصوف الخالص ذات الوان عديدة ، وارتدى اسفل من هذه سراويل صوفية خشنة بيضاء اللون قد حشيت اطرافها في جوارب صوفية طويلة مطرز اعلاها . اما اقدامهم فقد حسنتها احذية من الجلد غير المدبوغ . ولم يلبس ايهم على رأسه غطاء . واما نساؤهم فقد ارتدت كل منهن قميصاً احمر وعصبت رأسها بشال صغير .