انفرجت شفتاه عن ابتسامة وجسده الضئيل المرخمي النحيف يخفي قوته.
اذ ذاك هز مكدارا عصاه ورفع ذراعه فدوت طلقة وبدأ سباق الحصاد. وفي حركة واحدة خاض الرجال الثلاثة الى ركبائهم اليمنى كجنود في عرض عسكري لاطلاق النار. وفي نفس الحركة التفت ايديهم اليسرى على حزمة عيدان الشعير، ودارت المناجل المعقوفة في الهواء بسرعة، فتلاها صوت قارش، كالصوت الذي تحدّثه البقرات الجائعة اذ تأكل العشب الطويل النضر في الربيع. واذا بثلاث حزم صغيرة نحيلة من عيدان الشعير تسقط على الحشيش المندى اسفل السور، كل حزمة منها خلف رجل الحاصد اليسرى المحنية. وقفت النساء الثلاث يترقبن الكومة الاولى في صمت مليء بالانفعال، فانها ستكون بشرى بالفوز او نذيراً بالهزيمة.
حزمة، حزمتان، ثلاث، اربع...
كانت جوني بودكين ينخر نخير الحصان المهتاج، وحزمه تساقط متتالية
لا يكاد يكون بينها توقف. وبصرخة عالية طروب رفع منجله في الهواء وبصق عليه وصاح: «الكومة الاولى!» فانقضت زوجته عليها بكلتا يديها. وفصلت قبضة صغيرة من العيدان واحاطت بها رأس الكومة وربطتها بسرعة فائقة مدهشة، واصابعها الطويلة النحيلة تتحرك كابر الحياكة. اما الحاصدان الآخران وزوجاتها فلم يتوقفوا لينظروا. كان كل من الحاصدين الثلاثة قد قطع كومته الاولى وكانت زوجة كل باركة على ركبتيها تربطها.
كان بود كين يشتغل بنفس الحبة والهياج الذين بدأ بها، فما لبث ان تقدم على منافسيه، وكان يقطع ربطاته بلا نظام او ترتيب، تاركاً من خلفه اجزاء غير مقطوعة لان ضرباته لم تكن منتظمة، ولكن سرعته وقوته كانتا مدهشتين حقاً. كانت يداه الضخمتان تطوحان بالمنجل وتلتفان على العيدان بثقل لا رشاقة فيه. وكان جسمه ينقذف الى الامام مصطدماً بكل
شيء كأنه جثة فيل يسرع الخطو في غابة، ولكن الحركة المستمرة لمفاصله كانت ذات نسق لا يخلو من الجمال. وتبعته زوجته، تربط، تربط بسرعة، ووجهها الجامد قد تقلص في عبوس حاد كمن يفكر في امر خطير.
وتلاهما كنسيدين وزوجته. والآن اذ انكب كنسيدين على العمل اظهر قوة وخفة عجبتين كأنه وعل. فحين تتحرك ذراعاه النجيلتان الطويلتان البارزتا العظام لتضربا الشعير، تتوتر العضلات على ظهره المنحني كأنها شبكة ملتفة من اللوالب قد ضغطت. وكلما قفز على ركبته اليمنى ليتقدم على خط حصاده انطلقت منه آهة كأنها زجرة كبتت. اما زوجته فقد تصب العرق منها بغزارة وكانت تلاحقه حتى تكاد تمس عقبيه، لا تنقطع عن حثه ضاحكة ومتفككة بصوتها المعهود المرتفع المليء بالحماسة.
اما ميكال جل وزوجته فجاء آخراً. كان جل قد بدأ يحصد بحركات بطيئة منتظمة كمحركات آلة يدفعها ضغط منخفض. واستمر بنفس الخطوة تماماً، لا هو يغير سرعته، ولا هو يرفع رأسه لينظر ابن منافساه. كانت يداه الطويلتان النجيلتان تتحركان بلا جلبة، ولم يكن يسمع الا الصوت الحاد القارش لاسنان منجله في عيدان الشعير الصفراء. وكانت اهدابه الطويلة المطرقة موجهة دائماً الى البقعة التي كان يقطع فيها منجله. ولم ينظر مرة واحدة الى الوراء ليرى ان كان قد قطع ما يكفي لكومة قبل ان يبدأ كومة اخرى. بل كانت كل حركاته مرتبة من قبل، هادئة، رتيبة، مضبوطة ضبطاً مخيفاً. بل ان تنفسه كان منتظماً، وخرج من

