
لم أعرف أغرب من مونتيني (Montaigne) فيمن أتيح لي أن أعرفهم من رجال الأدب والفكر. قد يكون نيتشه غريباً، وقد يكون على هذا النحو من الغرابة أولئك الرجال أمثال كير كيغارد وديستيوفسكي، ولكن مونتيني في نظري، أغربهم جميعاً.
عاش تسعاً وخمسين عاماً (١٥٣٣ - ١٥٩٢) قضى معظمها جندياً وقاضياً. وفي عام ١٥٦٨ مات والده فخلف له لقبه وأملاكه الواسعة، فاعتزل الوظيفة وقبع في دارته التي هي بمثابة حصن عتيق كهذه الحصون التي عهدتها القرون الوسطى، وكتب بخط بارز على مقدمة الباب: «إنه في عشية اليوم الأول من مارس سنة ١٥٧١، عن عمر يبلغ الثامنة والثلاثين، يسلم ميشال دي مونتيني نفسه صحيح العقل والروح والجسد، لعناية عذارى الحكمة، فيقضي برفقتهن مطمئناً هانئاً كل ما تبقى له من العمر بعد أن أضنته عبودية المحاكم والوظائف العامة».
وهكذا انكبّ مونتيني على المطالعة والكتابة نحواً من عشرين سنة، فإذا به يستوعب أهم ما خلفته الحضارة من تراث العقل والروح. وإذا به، كذلك، يضيف إلى هذا التراث ثلاثة مجلدات ضخمة من المقالات التي تتناول كل ما يخطر للفكر الثاقب من الموضوعات.
وقد ادعى مونتيني أنه لا يؤلف، فهو أجهل ما يكون بفنون التأليف، وإنما كان، في زعمه، يصور نفسه بحروف إن قدر لعين أن تقع عليها، فلتكن هذه العين سمحة طويلة الأناة تتناوله بالرفق واللين، لما هو عليه من قلة الأهمية كإنسان عاش وكان همه في العيش أن ينشد المعرفة ويبحث عن الحقيقة. بيد أنه صوّر، في هذه المجلدات الثلاثة، كل شيء إلا نفسه. فترك قراءه في حيرة منه، لا يعرفون عنه شيئاً يقيناً إلا عدم يقينه، ذلك لأنه كان، رحمه الله، سيد من شك بإمكانية إدراك الحق
والوصول إلى كنهه، فزعم أن التساؤل الأبدي: «ماذا أعرف؟» سيظل يدفع الإنسان إلى الوقوف حيال المشاكل الأخيرة موقف الحكم المعلق والشك المتفلسف.
على أن وجه الغرابة في مونتيني لا يقع في هذا الحيز الضيق مما ذكرناه، بل يقع فيما رسمه من حدود القول والعمل. فهو في القول قد رسم حدود الانفلات من كل الحدود، فأجرى قلمه على القرطاس حروفاً حرة التعبير عن كل ما يجول في الرأس من خواطر. أما في العمل، فقد رسم، على
عكسه في القول، حدود التقيد بكل الحدود، فإذا به يسمو عن بقية الناس بإقباله على الحياة مرحاً مؤمناً، فيتأملها ويجعلها موضوعاً لتفكيره، ويستفيد منها وحدها في تكوين الرأي واستخلاص العبر، ويستعين بها على كيف يكون نفسه. وقد كافأته الحياة على ذلك بأكمل البقاء في الحياة...
وكان أن أصبح القول والعمل عند مونتيني واحداً حقاً، فاستطاع أن يحقق إنسانيته بكل ما في هذا التعبير من مدلول كياني. وهكذا حصل على شرف الجلوس إلى مائدة المفكرين الكيانيين منذ سقراط. ولو أنه آمن بالمسيحية كما ينبغي الإيمان، لشارك كير كيغارد، بعده بثلاثة قرون، زعامة هذه الزمرة الفاضلة الخلاّقة.

لقد تأثر به شكسبير، وتأثر به كذلك، عباقرة للفكر حسبي أن أذكر منهم ديكارت ونيتشه. وعندما أقرأ مونتيني أشعر بأنني لا أقرأه هو، بل أقرأ معه. والموضوع الذي نقرأه معاً هو هذه الحياة الوادعة التي تعتني بنا كعناية الأم الحنون.
