يقاس مستوى الحضارة في شعب من الشعوب، بالنسبة الى بعض «المحكات» الاساسية وموقف تلك الحضارة منها. فبالقياس الى موقف الشعب، او الشخص، من كل من هذه المحكات، يتسنى لنا تعيين مقدار النضوج والرقي اللذين يتمتع بها ذلك الشخص او الشعب.
هاكم، مثلاً، موضوع «الانسان» وقيمته: كيف ينظر افراد الشعب الى «الانسان»، الى كيانه، الى شخصيته، إلى حقوقه وواجباته، الى قيمته بنفسه وقيمته كعضو في المجتمع، الى اعماق شخصيته وعناصر نفسه؟ تلك اسئلة نستطيع ان نحكم، بموجب الاجابة عليها، على مستوى الشعب او الشخص الذي يجيب عليها. ولا نقصد بالاجوبة هنا، ضرورة، الاجوبة الواعية الصريحة: بل يكفي ان نتناول الاجوبة اللاواعية، والاجوبة المتضمنة في مؤسسات الشعب وتصرفات الافراد، والاجوبة الكامنة في اعماق الضمائر، المتجسدة في السلوك والاعمال.
وما نقول عن موقف الحضارة او الشعب من «الانسان»، نقوله ايضاً عن موقفها من «المجتمع»، او «الدولة»، او «الحرية»، وغير هذه من المواضيع الحيوية.
ولا نغالي اذا قلنا ان بين هذه المحكات وعلى مرتبة خاصة منها: «المرأة». فبالقياس الى موقف حضارة معينة من المرأة، ونظرتها اليها، تقاس قيمة تلك الحضارة.
ولموقف الحضارة او الشعب من «المرأة»، ونظرتها اليها، متضمنات تمتد عبر المرأة بحد ذاتها، لتتصل بشؤون اخرى تتعلق بالمرأة وكيانها. اذ ان النظرة الى المرأة تتضمن، حقاً، النظرة الى «العائلة»، و«الزواج»، و«المحبة»، وهي تتضمن ايضاً موقفاً معيناً من طبيعة الانسان، وجواباً معيناً على طبيعة المرأة،
وهل تختلف اختلافاً جوهرياً عن طبيعة الرجل، ام هل هي تنوع لطبيعة واحدة: هي طبيعة الانسان. وكذلك تتضمن هذه النظرة موقفاً معيناً من مهمة المرأة، وهل تختلف عن مهمة الرجل، وهل هذا الاختلاف جوهري يتناول الاساس، ام فرعي يتناول الاشكال والمؤسسات عرضاً...
وموضوع هذا المقال، موقف الاغريق من المرأة. ونحن اذ نعرض لهذا الموضوع لا يهمنا فقط ان نلم الماماً تاريخياً موضوعياً بهذا الموقف، بل يهمنا ان نتخذ من هذا الاطلاع الموضوعي سبيلاً الى تكوين الموقف السليم الحري بنا اتخاذه من المرأة، وما يرافق المرأة من قضايا ذات صلة ماسة بها، كالزواج والعائلة والمساواة الجنسية ومهمات الجنسين في المجتمع.
وعلى ضوء هذه الدراسة يمكننا ان نحكم ايضاً، بالقياس الى موقف الاغريق، على موقفنا نحن من المرأة. واذ اقول «نحن»، فلا اقصد العالم الحديث، ذلك العالم الذي استطاع، في ديار الغرب، ان يستمد من المؤسسات والحركات الروحية والاختبارات العميقة التي مر بها، نوراً جديداً يلقيه على هذه المشكلة: بل اقصد «نحن»، ابناء العالم العربي، خصوصاً في هذا المجتمع من مجتمعات العالم العربي، الذي يزعم ابناؤه انه في مقدمة المجتمعات العربية الاخرى تطوراً وتقدماً.
■كان الاغريق ينظرون الى المرأة نظرة
تخرجها من نطاق الانسان المواطن، المؤهل للامتيازات التي يفترضها الرقي الاجتماعي والحضاري - وتقذف بها الى مصاف العبيد والاطفال، اي الى مصاف الكائنات البشرية التي لم تستكمل بعد شروط انسانيتها، فلا تستطيع بالتالي اداء مهمتها البشرية الراقية، ولا يحق لها التمتع بصلاحيات وامتيازات الانسان الناضج. وهكذا نجد الفلاسفة والشعراء والمشترعين والاجتماعيين الاغريق، يقصون المرأة عن نطاق الانسان الفاعل في خلق المجتمع الامثل، ويقصونها ايضاً عن نطاق الانسان الذي يضمن له نظام المجتمع الامثل حريات مدنية وبشرية خاصة تليق بكرامة الانسانية المتجسدة فيه.
ونجدهم ايضاً يستثنون المرأة - كما يستثنون الطفل والعبد - من فضائل الانسان الراقية. فيحذرون، مثلاً، الرجل من البكاء او الجبن او التردد، تلك المزايا التي ينسبونها الى المرأة والطفل، ويحتكرونها في صفوف هاتين الفئتين (كما فعل افلاطون في «الجمهورية»).
ونجدهم ينظرون الى الزواج - تلك الرابطة الاليفة بين الانسان والانسان، التي تربط مصيرهما برباط المحبة، وتقضي على الوحدة فالوحشة فالكآبة التي ترافق عزلة كل منهما، لتقيم على انقاض تلك الوحدة حياة أليفة من الشراكة المتفانية المضحية - نجدهم ينظرون الى الزواج كوسيلة للتناسل، تقتضيها مصلحة الدولة في اكثار النسل! فتتدنى العلاقات البشرية المقدسة الى مستوى الوسائل... وتذوي نضارة الحياة، لان المحبة - مقر هذه النضارة ومبعثها - قد ذوت واضمحلت،

