

وجد اوسكار وايلد نفسه ، في عام ١٨٨٧ ، في حالة مالية صعبة . ذلك لان الاقبال على ما كان يؤلف من كتب ، ويحبر من مقالات ، وينظم من شعر ، قد انعدم او كاد .
وقد شاء الحظ ان يبسم لوايلد هذه المرة ايضاً ، فاذا بالسر واميس مدير احدى دور النشر الانكليزية الكبرى يتقدم اليه بطلب : وياله من طلب نظر اليه وايلد بدهشة وعجب واجاب : « أنا رئيس تحرير مجلة نسائية ؟ اني لا اعرف شيئاً عن التحرير سوى ان المحررين لا يرون ما اراه انا ! » فأجابه السر واميس : « لا بأس ! ان عدم خبرتك هذه لميزة طيبة في نظري ، ذلك لانها تساعدك على الابتكار ... »
وهكذا اصبح اوسكار وايلد الاديب الاباحي الشهير رئيساً لتحرير « عالم المرأة » . وكان الاجر الاسبوعي الذي عرض عليه ستة جنيهات ، وهو مبلغ زهيد يأنف ان يتقاضاه اصغر المحررين قدراً في الوقت الحاضر . غير ان وايلد سر كثيراً بهذا الأجر لان ستة جنيهات اسبوعياً في نظره كانت افضل من لا شيء . ولم لا ، فهي
على الاقل تؤمن له مصاريف التدخين وثمن الزهور التي كان مغرماً بتزيين صدره بها . وهي ، كذلك ، تتيح له فرصة الشعور بالحكم على نتاج الآخرين الأدبي ، وهو الذي طالما عانى ظلم الاحكام التي كان يصدرها عليه المحررون مشفوعة « بتعاد مع الشكر ... »
وعندما علم الصحفيون في لندن بان وايلد سيتولى ادارة تحرير مجلة « عالم المرأة » ، أبدوا دهشتهم وعلقوا على الخبر بتساؤل لا يخلو من التشجيع . وقد ذكرت مجلة « بال مال » التي كان يشوقها دائماً ان تحل المسائل المعقدة ، ان السبب في اختيار اوسكار وايلد لهذا المركز الدقيق هو رغبة السر واميس في اتحاف القراء بشيء طريف .
وقد جاء في البيان الرسمي الذي اذاعته دار النشر : « ان مجلة « عالم المرأة » هي منبر حر تستطيع منه السيدات المثقفات ثقافة عالية ان يعبرن عن آرائهن . » وقد حاول رئيس التحرير ، وايلد ، الحصول على مساعدة تحريرية من ساره برنارد الممثلة الفرنسية المشهورة فلم يفلح . ولكنه حصل على مساعدة غيرها من سيدات الطبقة الارستوقراطية والاميرات اللواتي بادرن بسرور الى تحرير المقالات الشيقة في شتى الموضوعات النسائية المفيدة . وكانت الألقاب تغر اوسكار وايلد بحيث انه يقبل المقالات على علاتها شرط ان تكون كاتبتها اميرة او نبيلة . وهكذا ذاعت شهرة المجلة في الآفاق خلال السنة الاولى من عمرها .
بيد ان هذه الشهرة الواسعة لم تمنع المجلة من الرجوع الى الوراء . فقد كان عدد النسخ المباعة يقل شهراً بعد شهر والبريد يعمر بالمجلة « معادة مع الشكر ... » واذا كان وايلد قد استقبل هذه الظاهرة بعدم مبالاة ، فان صاحبها لم يكن بمقدوره ان يقف هذا الموقف . فكان يتذمر امام وايلد ويسأله عن السبب . وقد خطر لوايلد ان يجيبه مرة فقال له : « لا اعرف السبب يامستر واميس ولكنني اؤكد لك بان المجلة تحظى برضى النبيلات من الطبقة الارستوقراطية ، وهي ، على ما اعلم ، في غرفة انتظار كل اطباء الاسنان في البلد ! » فصرخ واميس : نعم ! ولكن هذا لا يساعدنا كثيراً . المجلة تخسر ، فماذا تقترح عليّ ان افعل ؟ ... »
« المسألة بسيطة » اجاب وايلد ، « بع كمية اكبر من الاعداد ... »
وهكذا أسلم صاحب المجلة المسكين مجلته للقدر . ولو كان قد تعمق قليلاً لوجد سبب الفشل الحقيقي . انه كان أساءته اختيار وايلد ، وهو الفنان البوهيمي المتمرد الذي لم يكن من طبيعته الاستقرار . فهو سرعان ما يعجز ويمل . ولقد عجز من المجلة وملها في غضون السنة الثانية من تأسيسها . فبينما بدأ عمله بالحضور الى مكتبه ساعتين في النهار كل ثلاثة ايام من الاسبوع ، فقد انتهى بالحضور ساعة واحدة كل يومين .
وكان ان احتجبت مجلة « عالم المرأة » عن قرائها سنة ١٨٩٠ ولها من العمر ثلاث سنوات فقط ، تقلبت في خلالها بين يدي اكبر متمرد مستهتر ، ربما عرفه تاريخ الأدب .