كسارة البندق : قطعة أنجزها تشيكوفسكي في أواخر القرن الماضي ، قبل أن يموت بسنتين وهي من نوع الموسيقى المنتظمة المتتابعة ، التي تتضمن مجموعة من الرقصات ، يؤلف بينها موضوع أو ميلوديا ، أو ما يشابه الميلوديا .
أما موضوعها فهو أن فتاة صغيرة تلقت هدية ، على عيد الميلاد ، كسارة للبندق خشبية ، حفرت على شاكلة رجل عجوز قبيح المنظر ، متحرك المفاصل ، فأحبتها أكثر من سائر الدمى واللعب التي عندها . وحوالي منتصف الليل سمعت ضجة غريبة فزحفت إلى الطابق الأسفل فرأت أن جميع اللعب قد تماشت وتحركت ! وكانت تلك اللعب ، بزعامة كسارة البندق ، تحارب الفيران التي أتت تأكل الحلوى ! وعند وصول الفتاة ، كانت الحرب بين رئيس الفار وكسارة البندق على أشدها فجفلت الفار بقفازها ، وإذا بالكسارة تتحول إلى شاب جميل ، أخذها بيدها قائلاً : لا تخافي ، بفضلك أصبحت شاباً ، فتعالي أريك أرض الجن : أرض الأزهار والأوراق والسواقي والحيوانات ، حيث المشاهد الخلابة ، والأحداث المفرحة ،
فترين من الذي يزخرف الأزهار والأعشاب ومن يرش الندى في الهداة قبيل الفجر ، ومن يلون الفصول وينومها وينثر الثلوج نفنافاً أبيض . وسوف ترين سكان الغابات تلعب وترقص ، وتسمعين موسيقى الطبيعة . وفي لحظة عين وجدت نفسها تسير في الظلمة مع أمير الكسارة ! وإذا بها تسمع افتتاحية موسيقية ناعمة تعلم منها أن المشاهد قد بدأت .
وفي هذه اللحظة تبدأ بسماع تلك الافتتاحية التي سمعتها الفتاة ، ثم تلك إلى رقصة روسية ، نشعر خلالها وبعدها أن الأمير والفتاة ينتقلان بخفة من مكان إلى مكان ، من ضفة غدير تحت الأشجار الباسقة ، إلى رأس تلة ، إلى منعطف ، إلى واد عميق . وكأننا نسمع همس حديث سريع متواصل هو حديث بين الفتى والفتاة . ثم تتطور إلى رقصة جنية نكاد نرى معها الجنية تدور وتقفز كما لا يستطيع إنسان ، وعلى الجو تسيطر ميلوديا أشبه بالشرقية . ثم نسمع رقصة عربية تنقلنا إلى جو حلو تعودنا سماعه .
زاوية الأطفال : وهذه القطعة كانت ، وما برحت ، منذ ألفها ديبسي ، مدعاة لغبطة الألوف والألوف من الناس في جميع البلدان ، عنوانها : « زاوية الأطفال » ، وهي في الواقع جنة الأطفال ، ألفها ديبسي محاولاً أن يجد فيها خيال الأطفال في ساعات مرحهم ألحاناً موسيقية منتظمة .
ولكي نستطيع تذوقها ، علينا أن نتصور أنفسنا في بهو كبير ، وقد جلس الأطفال في زاوية منه يتسامرون ويلعبون بالدمى المختلفة التي بين أيديهم ، هذا يتخيل أن السنيورة التي بيده ترقص على الثلج ، وذلك يتصور أن أولاده يريدون أن يقوموا بنزهة في ضوء القمر ، والثالث يصف الأخشاب الملونة جنوداً على أتم الاستعداد للزحف ، ووسط هذه التخيلات تقوم المشادات البريئة بين الأطفال ، يتخللها
البكاء حيناً ، والضحك أحياناً في موسيقى وصفية تصويرية ، غنية بالميلوديا التي تتنوع بنسبة تنوع المشاهد ، محافظة على الجو الواحد من أول القطعة إلى آخرها . وفي هذا النوع من الموسيقى لابد لنا من أن نذكر ما أوصى به بتهوفن في كلامه عن السيمفونيا الريفية إذ شدد على ضرورة عدم التبسط في ربط كل صوت بالصورة أو الحالة التي يمثلها ، ذلك لكي تبقى للمتذوق لذة الاكتشاف . وأنا ، وإن أعطيت الخطوط الأساسية لهذه القطعة وقدمت بعض الأمثلة على ما يمكن أن قد تخيله ديبسي من تفكير الأطفال عند تأليفها ، فلقد ذكرت القليل من الكثير مما يمكن أن يستنتجه السامع عند إصغائه الدقيق إلى هذه الطريقة الممتازة ، على كونها ليست من الكلاسيكيات الأساسية ، من عند ديبسي .
ففي زاوية الأطفال من الاكتشافات الحلوة للبيانو ما يدهش أولى الخبرة والاختصاص ، وفيها من الجدة والطرافة ما يدهش كل إنسان . فمن يخطر بباله مثلاً أن هناك موسيقى لمشية الكعكة ، أو لتنقل الفيل الحبشي ، أو لرقصة الثلج ! . ولكن ديبسي خلاق ملذ ، يعرف مفاتيح الطرب عند الناس .
ولكي يسهل علينا ملاحقتها وتذوقها ألفت النظر إلى أن الربع الأول من هذه القطعة تدور موسيقاها حول نزهة السنيورة ، وفي نزهتها كما في نزهة الناس ، طبيعة خلابة . والربع الثاني تدور موسيقاه على رقصة الثلج ، وفي رقصة الثلج برد يؤول حرارة ، وفيها نعومة توقيع ، وألحان بيضاء ، وللألحان ألوان كما يعرف المتذوقون . وفي الربع الثالث مشية الكعكة ، ومن قال أن الكعكة لا تمشي ، فكل طفل يتصور أن لكعكته أرجلاً تساعدها على الهرب منه . وفي الربع الأخير تدور الموسيقى على تنقل الفيل ، وهذا الفيل الصغير في يد الطفل رمز لذلك الحيوان الضخم ، فإذا صوّره ديبسي فإنما يصوره كما يراه الطفل بخياله لا بعينه .

