ابراهيم وابليس :
ولأبراهيم الموصلي حكايات مع الابالسة ، على ما يظهر ، ففي يوم من الايام ، وابراهيم منقطع عن الناس في بيته ، تحيط به جواريه ، وهنّ يترددن بين يديه ، إذ يدخل عليه شيخ ذو هيئة وجمال ، عليه خفان قصيران وقميصان ناعمان ، وعلى رأسه قلنسوة لاطية ، وبيده عكازة مقبعة بفضة ، وروائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت والدار . وجلس امام ابراهيم يطلب منه الغناء وابراهيم لا يستطيع ان يرد له طلباً رغم غيظه الشديد منه لوقاحته وجرأته عليه . ولم يكتف شيخنا الجليل بسماع مغنينا بل اجبره على ان سمع له غناءه فأنشده الشيخ هذه الابيات :
ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبداً ليست بذات قروح أباها عليّ الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح ؟ أئنّ من الشوق الذي في جوانبي أنين غصيص بالشراب جريح
وما ان انتهى من غنائه حتى قال ابراهيم :
فوالله لقد ظننت الحيطان والابواب وكل ما في البيت يجيبه ويغني معه من حسن غنائه ، حتى خلت ، والله ، اني وعظامي وثيابي تجاوبه ، وبقيت مبهوتاً لا استطيع الكلام ولا الجواب ولا الحركة لما خالط قلبي ثم غنى :
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً فأني الى اصواتكنّ حزين فعدن فلما عدن كدن يفتنني وكدت بأسراري لهنّ أبين دعون بترداد الهدير كأنما سقين حميا او بهنّ جنون فلم تر عيني مثلهن حمائماً بكين ، ولم تدمع لهنّ عيون
كل ذلك وابراهيم حائر باهت :
ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجداً على وجد أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى على فنن غض النبات من الرّند بكيت كما يبكي الحزين صبابةً وذبت من الوجد المبرح والجهد وقد زعموا أن المحب اذا دنا يمل وان النأي يشفي من الوجد بكلٍ تداوينا على أنّ ما بنا على ان قرب الدار خير من البعد !
وغاب المنشد فجأة فاذا بابراهيم يقوم
لسيفه فيجرده ويعدو نحو الابواب يتفقدها فيجدها مغلقة فيتعجب لدخول هذا الشيخ عليه ويسأل عنه البواب مستفحصاً فلا يجيبه بما يرضي فضوله . وبينا هو على تلك الحال اذ يناديه صوت من جوانب البيت : «لا بأس عليك يا أبا اسحق ، انا ابليس ، وانا كنت جليسك ونديمك اليوم فلا تُروَع ...»
ويعرف الرشيد الخبر فاذا به يتمنى لو ان ابليس امتعه بنفسه يوماً واحداً كما امتع أبا اسحق !
المغاني العباقرة :
حدث ابراهيم عن استاذه في فن الغناء قال : اول من تعلمت منه الغناء مجنون . كان اذا صيح به : يامضر ، يهيج ويرجم ، وكان ابراهيم يحتال عليه فيدخله بيته ويطعمه ويسقيه ويخدعه حتى يأخذ منه ما يشاء .
وابراهيم هو اول من غنى الرشيد بشعر له بعد ان ولي الخلافة ، لذلك كان الخليفة يجله ويكرمه ويتشوّق اليه والى زياراته حتى انه هبّ مرة من نومه ، وخرج متلثماً يقصد منزل الموصلي ومعه حاشية مؤلفة من اربعمائة خادم ابيض سوى الفرّاشين فذعر الموصلي عندما رآه وصاح : يا أمير المؤمنين أفي مثل هذه الساعة تظهر ؟ قال نعم . شوق طرق لك بي ، وجلس في طرف الأيوان فمدت المآكل الشهية والمشروبات الطيبة ، واحضرت الجواري الحسان والاماء تضرب اثنتان اثنتان وتغني واحدة فواحدة ، والرشيد لا يهتم بما يسمع الى ان غنت احدى الصبايا :



