
رأيتهم ليلة عيد الميلاد .
ثالوث غريب الزيّ والوجه واللسان :
أب صديق يحبو الى الخمسين ، وأم فتيّة لا ترفع بصرها حياءً وخفراً ، وصبيّ فيه من الحسن كل معنى طريف .
تحيّر البؤس في وجوههم ثلاثتهم ، وفاحت رائحة الفقر من أردانهم ، يمشون كمن لا عهد له بهذه الارض ، فكأنهم رجال الكهف قد بعثوا .
أبصرتهم عند خمسة أبواب ، وتواروا عني في ثلاثة ، ثم ما عدت رأيتهم .
نظرت هذه العائلة عند بوّابة دير بعد رهبانه فطور الميلاد ، فاللحوم تعذّب على النار ، ورائحة قتارها تفتح شهي المكظوظين . اما عن الخمور المعتقة فلا تسل ، فأصغرهن ستاً تذكر حكم الامير بشير ، تتلألأ في الاباريق البلورية وقد اشتعل رأسها شيباً . والديوك تنقف أعناقها انتقاماً من «جدّها» ديك بطرس الجاحد ، والفواكه تنقّى وتصفّف .
هناك باب ذاك الدير سمعت هذه العائلة البائسة تطلب خبزاً باسم من قال : وكنت جوعاناً فأطعمتموني . ثم رأيتها تصرف خماص البطون . اشتهى الصبي ليمونة فمدّ اليها يده ، فانتزعت منه وفركت اذنه ...
وعند باب دير آخر سمعت الأم تطلب من الراهبة قميصاً عتيقاً لولدها المقرور ، ولزوجها الحافي حذاء مرقعاً ، ولها فستاناً كيف كان ، فردت الراهبة في وجهها الباب ، ولولا لطف الله لهرس اصابع الصبي .
وعلى باب قصر سيدة مترفة لمحت الأم تعرض ولدها خادماً باللقمة ، ثم لا تستجاب طلبتها . وتؤتى تلك السيدة يجرو كلب فتشبعه ضمّاً وشمّاً وتقبيلاً ، ولا تستحي .
تطعمه اشكالاً والواناً من الطعام والحلواء ، (وابن الانسان) ببابها يأكل بعينيه ما لا يشتهيه ابن الكلب ، ثم لا يجاد عليه به .
وعن باب (قيصر) شاهدت صاحب
اذنه يطردها ويدفعها الى الشرطي ، ليتهم سجنوها فاستراحت !!
ورأيتها امام باب ( قيافا ) تضحك بملء فيها ، كأنّ ما فيه من اصباغ وألوان وتماثيل انشاها بؤسها . ثم خشن الصبي الوديع وجذب ذيل امه صارخاً : أماه ، لا نريد قوتاً من هنا ، فخبزهم مرّ .
وفي نصف الليل مرت ( العائلة ) امام باب الكنيسة ، وبعد تردد دخلتها ... ها هي بين المعيدين تحدّق الى المغارة مستغربة ... ولما خطر رئيس الكهنة بطيلسانه وتاجه وصولجانه ، دهش الصبي وتزعزع ، وتعالى الغناء : المجد لله في العلاء وعلى الارض السلام ، فقطّب وعبس ، كأنما عاودته ذكرى قديمة . ولما خشخشت الفلوس ، وتعالى صراخها على ( الصينيّة ) الفضية هتف الصبي : بيتي بيت الصلاة يدعى ... وهجم على الطبق ، فضربه الشرطي وطرده لأن السوط لم يكن معه فيعرفوه به ، كما عرفاه عند كسر الخبز .
وبعد القدّاس صادفتها تطوف في المدينة . طلبت مأوى وقوتاً فأعياها ، واستجارت برواق الهيكل من الليل المطير فقلّعوها ، فتاهت في المدينة ، وما انفكت سائرة حتى تجاوزتها نافضة غبارها عن ارجلها .
انتهت الى قرية ما دخلها الملوك فأفسدوها . كان فقراء الضيعة ساهرين ، على عادتهم ، يهجسون بملكوت الله ، يتذاكرون حكاية الميلاد في الماضي السحيق ،