يحتفل العالم المسيحي كل سنة بمولد السيد المسيح في جميع انحاء العالم ، فيقبل الوالدون على شراء الهدايا والدمى لاولادهم ، ويتبارون في صنع شجرة العيد ، ويستعدون للاحتفال به منذ الايام الاخيرة من شهر نوفمبر فيُبنى في كل منزل كهف مزين بالزهور والاوراق الملونة والمصابيح والشموع وفيه تماثيل صغيرة للبقر والغنم وصورة مجسمة لكوكب يرمز الى المكان الذي ولد فيه السيد المسيح في بيت لحم اليهودية كما يرمز إلى الهادي الذي سار امام الرعاة من البادية الى المذود حيث كان الطفل يسوع مضطجعاً بعيد ولادته .
اجل ان في هذه المظاهر عدة فوائد ثمينة منها ما هو روحي وهو الأهم ومنها ما هو مادي بحت . فما اجل ان يذكر الصغار بولادة السيد المسيح كل سنة وتغرس في اذهانهم هذه الذكرى الطيبة مدى الحياة . وما اجملها من ذكرى عند البالغين : ذكرى ولادة رسول الخير والسلام ، المعلم الصالح ، الذي سارت تعاليمه خلال القرون والاجيال هدياً نيراً ساطعاً لتقوّم ما اعوج من اخلاق الامم والافراد . ولو اردت تعداد الفوائد الروحية المجتناة من هذه الذكرى لقصرت حتماً لان هذا يتطلب المجلدات الضخمة وثقافة اللاهوت . اما الفوائد المادية فأهمها رواج حركة البيع والشراء في كل سوق من اسواق العالم بغية ارتداء ملابس العيد الجديدة اطفالاً وبالغين ، والتنعم بالغبطة والسرور مدة يومين او اسبوع لينسى الناس متاعب الحياة ومشاكلها ولو الى وقت . لعمري ان في هذا لحكمة بليغة تدل دلالة واضحة على نبل مقاصد مبتكري فكرة العيد .
ولكن مهلاً . فقد يسأل سائل عما اقصده بقولي « مبتكري فكرة العيد » أو ليس له ذكر في الانجيل ؟ او لم يوص
به الكتاب المقدس ؟ فجوابي هو بالنفي لانه لم يوص به الكتاب ولا الرسل بل هو ترتيب بعض افذاذ رجال الكنيسة ونتيجة تطورات عديدة حدثت خلال القرون الخمسة الاولى بعد الميلاد . ولم يكن المسيحيون يحتفلون به خلال تلك القرون . غير انه لم يتفق في ذلك العهد على يوم معين للعيد فكان البعض يقولون انه في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر ، وآخرون يقولون انه في السادس من شهر يناير ، وآخرون يحتفلون به في الخامس والعشرين من مارس .
واول من دعا بوجوب اعتباره في الخامس والعشرين من ديسمبر هو ثيوفيلوس الانطاكي عام ١٨٠ للميلاد في رسالة له باللاتينية لا تزال محفوظة في مكتبة ماغديبرغ . وقد اشار اليها هيبولايتوس سنة ٢٠٢ في تعليقه على العدد ٢٣ من الاصحاح الرابع في سفر دانيال قائلاً ان ولادة المسيح كانت يوم الاربعاء في الخامس والعشرين من ديسمبر في السنة الثانية والاربعين من ملك اوغسطس قيصر روما . واول اشارة اكيدة الى هذا التاريخ وردت في تقويم فيلوكالوس عام ٣٥٤ . وهذه ترجمتها بالحرف : « في السنة الاولى
للميلاد ولد السيد يسوع المسيح يوم الجمعة المصادف في الخامس والعشرين من ديسمبر واليوم الخامس عشر من القمر » ومع ان اليوم الخامس والعشرين من ديسمبر السنة الاولى للميلاد كان يوم الاحد وليس الجمعة نجد انه لم يحتفل به كعيد .
ويذكر كليمنت الاسكندري سنة ٢٠٠ عدة تواريخ ليوم مولد المسيح غير انه يصفها جميعها بقوله انها محض خرافات . ويقول ان بعض المؤرخين يدعون ان الولادة حصلت في السنة الثامنة والعشرين لملك اوغسطس في الخامس والعشرين من شهر باشون ( شهر مصري ) المصادف في العشرين من شهر مايس . وغيره يزعمون انها كانت في ٢٤ او ٢٥ من شهر فارموفي اي في ١٩ او ٢٠ ابريل . اما كليمنت نفسه فيحدد التاريخ في ١٧ نوفمبر في السنة الثالثة قبل الميلاد بيد ان كاتباً لم يعرف اسمه الف كراساً باللاتينية حدد فيها ، بموجب وحي على حد قوله ، ان المولد كان يوم الاربعاء في ٢٨ من مارس وهو اليوم الذي يظن انه عيد مولد الشمس كرمز لشمس الحق .
وقد استنتج بوليكاربوس ان الميلاد كان يوم الاحد اي اليوم الذي بدأت فيه خليقة العالم ، وان معمودية المسيح كانت يوم الاربعاء اي يوم مولد الشمس . وقد يكون بعض الكتاب والمؤرخين اللاتينيين عام ٣٥٤ حولوا العيد من ٦ يناير الى ٢٥ ديسمبر وهو عيد مولد الشمس عند الوثنيين .
وقد اتهم السوريون والارمن المسيحيون الرومانيين بانهم عبدة الشمس والاوثان قائلين ان اتباع بعض رجال الكنيسة الغربية هم الذين عينوا اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر كيوم مولد


