وكانت تلح في القول بان كليوباترا هي جدة لها. ولعل اسم «زينب» نفسه ابتدعته هي لنفسها ابتداعاً، خلافاً لما ظن وادنكتون، لأنه يعني في اليونانية «قوة المشتري» وفي هذا المعنى ارضاء لغرورها. غير ان الأمر الذي لا شك فيه، هو ان زينب، كانت زوجة لسبتموس أذينة الثاني ملك تدمر. ولم تظهر ظهوراً قوياً على مسرح السياسة قبل موت زوجها. غير ان بعد موته، ضبطت هي عنان الرئاسة، واخذت تدبر شؤون الرعية، نيابة عن ابنها البكر وهبلات، ومعناه بالآرامية «هبة الآلهة».
وبالحقيقة، لم يكن ينقص زينب صفة واحدة من صفات الملك. فقد كانت على مقدرتها الفكرية، ومرونتها السياسية، متصفة بالعفاف والحصانة، مع كونها اشتهرت بجمالها، هذا الجمال الساحر الذي اثبته وقرره كتبة اليونان والرومان. قال تريبيليوس: «ان جمال ملكة تدمر، يفوق كل وصف. فترى لون وجهها ضارباً الى السمرة، وحدقة عينيها حلكة كحدقة النسر، ويلوح على شخصها من سمات القدرة ودلائل الحزم وإمارات الأنس واللطف ما تندهش به العقول، وتروق له الابصار. واما لون اسنانها فأبيض يقق كأنها درر. وصوتها جهور، كأنه صوت رجل».
وقال زوزيموس: «ان سيرة ملكة تدمر سيرة بطل لا سيرة امرأة». وليس في هذا القول ما يجابه الحقيقة. فقد كانت زينب فعلاً، ترتاح الى خوض المعارك. والاندفاع في جلبة الصراع. وغالباً ما كانت تقود جيوشها بنفسها، فتركب جوادها الخاص، وترتدي بدلة الحرب، كأنها قائد شذف تعوّد الخشونة والقساوة.
وقامت زينب، بعد موت زوجها، باعباء الملك خير قيام. فوطدت العدل في سائر انحاء المملكة التدمرية ونظمت سبل التجارة للقوافل الشامية والعراقية التي كان لابد لها ان تمر بتدمر في الذهاب والاياب.
ويبدو ان الحرية الفكرية والدينية كانت محترمة في ايامها احتراماً يلفت النظر. ومع كوننا نجهل ديانة زينب الحقيقية، فلا يمكننا ان نثبت انها تحمست لديانة من الديانات او سايرت إحداهن مسايرة طفيفة.
وهذا ما دفع سائر الامم المجاورة ان تتقاطر الى مدينة تدمر طلباً للرزق وللحرية. فكانت تدمر في عهد ملك زينب بمثابة برج بابل ثان من حيث اختلاط اللغات والشعوب. اما سكانها الاصليون، فكان قسم كبير منهم، ينتمي الى الامة الآرامية الاصلية في تلك الاقطار. والقسم الآخر يتركب من عدة اجانب بينهم العرب والنبطيون والسوريون واليونان والارمن واليهود والفرس. الا ان عدد العرب كان اوفر من سواهم..
وكانت سياسة زينب الخارجية لا تختلف اختلافاً كبيراً عن سياسة زوجها أذينة. وهي سياسة تحالف وتضامن مع الرومان. غير ان الرومان لم يكونوا راضين عن تقدم ملك زينب وازدهاره، لاسيما وقد أصبحت حاضرتها تدمر تنافس روما وتهددها بالخطر. فأخذ الرومان ينتظرون الفرص للانقضاض على زينب وافناء ملكها. غير انهم كانوا دائماً يتريثون، ويتهيأون الى ان تسنم عرش الامبراطورية الرومانية اوريليوس كلوديوس سنة ٢٦٨ بعد المسيح. فان مجلس الشيوخ عند مبايعته لهذا القيصر الجديد، صاح بصوت واحد: «يا كلوديوس اغسطس، نجّنا من زينب!». وكرروا ذلك سبع مرات».
وكان من الطبيعي ان يتحمس القيصر في بدء هذه المبايعة. وقام بعد العدة لمحاربة زينب. غير ان زينب لم تكثرث لاستعدادات الرومان، الى ان كان التصادم الاول بين جيوشها وجيوش الرومان. بحدود فارس حيث احتدم القتال وتغلبت جيوش زينب على الرومان وقتل قائدهم هراقليانس.
وكان لهذا الانكسار عند الرومان ردّ
فعل عنيف. فلمّوا شملهم واعادوا الكرة مرات ومرات بقيادة القيصر نفسه، حتى انتهوا الى اسوار تدمر، وكان بين القيصر وبين زينب تبادل الرسالات التي ذكرناها في بداية هذا الحديث.
وفكرت زينب ان تهاجم جيش عدوها من الوراء. ولم يكن ذلك ميسوراً لها الا بمحالفة الفرس ونجدتهم. «فاجتمعت بقوادها تشاورهم لآخر مرة، ثم تسللت في احدى الليالي من عاصمتها وانبجت على ناقة، نحو الفرات لتستنجد ملك الفرس. ولم تبرح تركض راحلتها مدة ليلة ونهار حتى انتهت الى جوار مكان يعرف اليوم «بالدير» وهو على ضفة الفرات. وكانت قد ترجلت عن مطيتها عندما لاحظت وراءها فرساناً من غير اصحابها. فعرفت انهم من الاعداء. فهتفت بصاحب زورق هناك تأمره ليعبر بها النهر، غير ان الفرسان ادركوها، وانقضوا عليها، ثم ركبوها على ناقتها وقفلوا مسرعين الى تدمر يقدمون الى قيصرهم «سلطانة المشرق» مأسورة. كذلك انتهى نشاط زينب السياسي. غير ان القيصر منحها العفو وحملها معه الى روما ليدل على مقدرته وعظمته وجبروته.
وفي مصيف «تيبور» بإيطاليا، عاشت زينب ايامها الاخيرة منقطعة عن العالم، تحلم بالماضي المثقل بالذكريات، الى ان ادركها الموت، وهي تحنّ حنيناً موجعاً، الى اطلال تدمر، ولكن عبثاً، فهي لن ترى الملك، بعد، ولن ترى تدمر، فقد كانت تسمع من اعماقها صوتاً كالهدير: «اقعدي صامتة، وادخلي في الظلام... فانك لن تدعين سيدة الممالك من بعد»

