وتمثلت في مخيلتي ما كنت قد رأيته من مشاهد الطفولة الضاحكة في حدائق اللوكسمبورغ في باريس : اطفال كالورد يكاد الدم يثب من وجوههم المشرقة يستبقون والبشر يطفح في ثغورهم ، ويلعبون ألعاب الطفولة البريئة فلا تسمع الا اصوات المرح وقهقهة الفرح تتجاوب مع زقزقة العصافير في اصداء الحديقة البهجة ! ..
نحن في الشرق لا نقدر الطفولة حق قدرها ـ هذا امر متفق عليه ـ واذا عنينا بها فانما نعتبرها مرحلة يتهيأ فيها الطفل لحياته المقبلة فنملأ هذه المرحلة بالارهاق والقسوة وشتى الوان التعذيب باسم التأديب ، ولا يزال فريق من المربين في بلادنا يعتبرون العصا هدية الجنة الى الارض .
اطلب في لبنان ومن لبنان عناية سريعة بالطفل ! ولو جاز لي ان اطلب احداث وزارة للطفولة لطالبت ، لانه لا يجوز ان تعبث بغرساتنا النامية سموم الفقر والداء والجهل والاهمال ! واذا قيل لي ان هذه الامور من اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية لطالبت باحداث هذه الوزارة ، ولطالبت بأن تسند الى امرأة وزيرة فهي ادرى من الرجل بهذه الشؤون وهنا ميدان نشاطها الطبيعي ومداها الحيوي . والمهم عندي ان نعني بالطفل وان ننشىء له الحدائق العامة وساحات الالعاب البريئة وان نضمن له الغذاء والكساء والدواء ! هذا ما اطلبه ولا اظن اني ، كطفلة فيكتور هيغو ، اطلب القمر ! ...
■
لقد رأت وزارة العدل وهي تنظر في الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الأيفاع ان تعمد الى اصلاحهم بدلاً من انزال العقوبة فيهم ـ وهذه نظرة سديدة ـ فتعزلهم ، صيانة لأخلاقهم ! عن مجرمي السجون في مكان خاص أطلقت عليه اسم « اصلاحية الاحداث » وجهزت له بناء سراي بجنس ووضعت له منهاجاً حديثاً ورصدت له الاعتمادات اللازمة في الموازنة .
كل هذا جميل ، وهذه خطوة تهنأ الحكومة عليها ، ولكن أليس الأفضل ان يبدأ الاصلاح في هؤلاء القاصرين قبل اقترافهم الجرائم ؟ . نحن نعيش في عصر الطب الوقائي ، وشعاره مكافحة الداء قبل وقوعه بفضل اسباب الوقاية الحديثة من تلقيح وابادة للجراثيم ومناعة يكتسبها الجسم ...
فهل يجب ان ننتظر اجرام هؤلاء المشردين حتى نشرع في اصلاحهم ، واصلاحهم عندئذ ـ كما لا يخفى على المتمرسين بشؤون التربية ـ يصبح امراً شاقاً عسيراً ، ام نجمعهم من الشوارع قبل ان ينغمسوا في حمأة الرذيلة وتتأصل فيهم نزعة الاجرام والشر ، فنقيم لهم جناحاً خاصاً في اصلاحية الاحداث ببجنس ، تشرف عليه جامعة نساء لبنان وتديره وتضع له منهاجاً وافياً !
هنا ميدان صالح للخدمة الانسانية المحضة ، وهنا الحاجة الملحة للعمل السريع ! انا لا اطلب المستحيلات ، وانما اطلب ان نرسل
الى هؤلاء الاطفال ، اينما كانوا وفي اية مدرسة وجدوا ـ لانفرق بين الجنس واللون والمذهب ـ كأساً من الحليب المعقم ضحوة كل يوم ، أو وجبة صحية من الطعام ظهراً ، وأطلب ان نمدهم بكساء دافئ يتقون به برد الشتاء .
هذان مشروعان انسانيان أرجو ان تتبناها جامعة نساء لبنان الزاهرة وان تعد العدة لتحقيقها في مطلع هذا العام الجديد، فيعم فضلها على الخاصة والعامة ، وتحسن في وقت واحد الى النخبة الميسورة توجهها وتنظمها ، والى الطبقة المنسية المحرومة تنعشها وتحييها ...
وأخيراً سيداتي، لقد اثقلت صدوركنّ بحديث البؤس والفقر فلنستمع الى شاعرنا الاكبر شوقي يقول بلسان انطونيو في مسرحيته الخالدة كليوباترا :
الحياة الحب والحب الحياة هو من سرحتها سر النواة وعلى صحرائها مرت يداه فجرت ماء وظلًا وجنى
لقد صدق شوقي : فالحياة صحراء مرت عليها يدا الحب فسالت ماء زلالاً وظلًا وارفاً وثمراً يانعاً ...
الحياة صحراء قاحلة واحتها المرأة ... يأوي اليها الرجل فيروي غلته من منهلها العذب ، ويجد في كنفها وحنوها الظل والدفء والطمأنينة ، ويجني من صدق ودادها اطيب الثمرات ! فلتكن هذه الواحة ـ بظلها ومائها وثمرها ـ خيرة نيرة تشيع هدى وفناً وجمالاً وتفيض على الدنيا خيراً وبركة وسلاماً ...
