المطبخ اليوم هو الغرفة التي تتجه إليها أنظار المهندسين الفنيين قبل أية غرفة من غرف الدار فيأخذون له قياسات مداخن النار ومنافذ النور وموضع تحكيم وأجهات الخزائن «وبوابير» النار، وهو المعمل التي تبذل جهود الاختصاصيين من الكيماويين فيحملون الطعام الذي يدخله من بيض ولحم وخضار ومن خبز ودهن وألبان، ويؤلفون له صفوة التجارب الصالحة للغذاء في المجلات والصحف، فنشأت الفيتامينات على أنواعها والمقويات على أشكالها. وجاء الأطباء، يدخلونه هم كذلك، فيصفون نوع الطعام ويكتبون للمريض قائمة الأكل قبل وصفة الدواء، وجاءت الفبارك الصناعية تنافس بعضها بعضاً مقدمة له بيوت النار من أفران حديدية للفحم والكاز والكهرباء وأخرى بتقديم أدوات المطبخ فيه من نحاس وحديد وألومنيوم وزجاج وفخار. ومن ثم جاءت إمرأة هذا العصر تضيف إليه من صنع يدها وما اتصل إليها ذوقها من الستائر الشفافة للنوافذ والمشمعات ذوات الرسوم والألوان الجذابة للمناضد والرفوف والدهان الملون للخزائن والأدراج حتى أصبح مطبخها من أبهى غرف البيت بما يدخله من الشمس والنور وبما فيه من ألوان زاهية وبما يحتويه من الأدوات المشوقة للشغل والمريحة عند الاستعمال.
هذا هو المطبخ عندهم يا سيدتي، أرجو أن أكون توفقت ولو على وجه التقريب إلى وضع الصورة التي يجب أن يكون عليها مطبخنا العربي الجديد، ويجب أن لا يهيئنا هذا الواجب، فإن الذين يبنون بيوتهم اليوم، قد تنبهوا لأهمية موقع
المطبخ من حيث الوجهة اللازمة وضرورة منافذ الهواء والشمس له، كما لبقية غرف الدار، غير أن ما ألاحظه من عدم اكتراثنا لهذه الهندسة الجديدة وكيفية الاستفادة منها، هو ما يجعلني أخشى البقاء على ما كنا عليه من حيث تقدير الأهمية التي للمطبخ في حياتنا الصحية، حتى والاجتماعية أيضاً، فنحشر كل ما يروقنا النظر إليه من مختلف أدوات التنظيف، وأوعية الزبالة والنفايات المكشوفة، وقباقيب الخدم وأحذية الأولاد، والغسيل الوسخ والسطولة والماسح، على أنواعها من رطبة وناشفة، وإلى ما هنالك من الأشياء التي لأحد لها ولا آخر، والتي تحيط ببابور الكاز، الذي نطهي عليه طعامنا، إحاطة السوار بالمعصم، وبإله من طعام شهي تمزج مواده بعبير النفايات والغبار المتطاير من أدوات التكنيس وحاملات الأقذار.
الأخذ باعتبارات هامة
إن هذه الحبالات التي تتجمع في رأسي لما رأيته وأعرفه عن بعض المطابخ عندنا لم يتم تدعوني إلى دعوتك يا أختي الراقية إلى محاربة هذه المطابخ بكل قوانا لتطهيرها من هذه الأمور التي تؤثر في صحتنا، وتذلنا أمام الأجانب وتخجلنا أمام نفوسنا. لنضع نصب أعيننا الأمور التالية:
١ - أهمية المطبخ بالنسبة لبقية غرف الدار. فهو للعائلة بمثابة القلب من جسم الإنسان، فكما أن القلب هو المستودع الذي يوزع منه الدم لبقية أعضاء الجسم، هكذا المطبخ توزع منه موارد الحياة لأفراد الأسرة من طعام وشراب.
٢ - وجوب العناية الكاملة الشاملة بالنظافة ضمن جدرانه، إذ ليس من شيء يدل على نظافة ربة البيت وحكمتها كنظافة هذا المستودع وترتيبه. فإذا كان البيت في حاجة إلى أن يمسح وينظف مرة
في اليوم، فإن المطبخ في حاجة إلى التنظيم مرتين وثلاثاً، وذلك لأن كثرة ما فيه من الأطعمة وفضلات الطعام يجذب الذباب الذي ينتقل منه إلى بقية الغرف، بعد أن يكون نفث سمومه في المأكل، ثم أن ربة البيت المدبرة، قد تقضي معظم ساعات يومها في المطبخ وقد يختلف إليه أولادها، فإذا لم يكن نظيفاً ناصعاً يصبح مأوى لجراثيم الأمراض العديدة، وكم من الحوادث التي نكبت فيها العائلات بوفاة عدد من أفرادها، عن طريق هذا المطبخ التي تدخله الجراثيم الخبيثة، محمولة على أجنحة الذباب، وأوراق الخضر وثنايا اللحم وأجواف السمك القديم.



