قضى اهل مكة ايامهم فرحين مبتهجين يملؤهم الفخر ، ويزدههم النصر ، ويتحدثون بحديث الفيل اذا اضحوا ، ويتذكرون انهزام الحبشة اذا امسوا ، حتى كاد يشغلهم ذلك عن تجارتهم ويصرفهم عن مرافقهم . وتسامعت العرب بهذه الآية الكبرى التي اظهر الله بها كرامة هذا البيت ، ورفع الله بها مكانة الذين يقومون حوله من قريش ، فازداد العرب لقريش حباً واكراماً ، واخذت تستوثق الامور لاهل مكة على من دنا منهم ، أو نأى عنهم في تهامة ونجد والحجاز . ولكن شيخاً من قريش لم يشغله فخر ، ولم يزدهه نصر ، ولم تصرفه احاديث الناس من حوله عن حديث نفسه المتصل وحزنها المقيم ، وهو عبد المطلب بن هاشم .
ولكن امرأة من قريش لم يأخذها عجب ولم يملكها تيه ، ولم تشارك نساء قريش فيما كن يتخذن من زينة وينصرفن اليه من لذات الحياة . انما كانت تؤثر
العزلة وترغب في الخلوة الى نفسها ، تتحدث اليها وتسمع منها ، لا تجد في هذا الحديث حزناً صريحاً ولا سروراً صريحاً ، وانما هو شيء بين بين : فيه راحة من لدغ اليأس ، وفيه صارف عن نشوة الامل ، وهي آمنة بنت وهب .
كان الشيخ يذكر ابنه فيشغله الحزن الممض العميق مما كانت فيه قريش من بهجة وسرور ، ومن غبطة وحبور . وكان الشيخ يفكر في قصة الفيل وانصراف المغيرين عن مكة ، ثم يرى فخر قريش وتمدحها واستعلاءها على العرب ، فيبتسم في نفسه ساخراً منها عاطفاً عليها . فلم تصنع قريش شيئاً إلا انها لاذت بشعاف الجبال ، وفرت الى حيث كانت تهيم الوحوش ، وخلّت بين طاغية الحبشة وبين البيت . فلم تردده اذاً ، ولكن الله رده ، ولم تحطمه اذاً ، ولكن الله حطمه . وهي على ذلك تفاخر وتكاثر ، وهي على ذلك تستكبر وتستعلي ، وكذلك الانسان يغره
بنفسه الغرور ، فيضيف اليها ما لم تفعل ، ويحمل عليها ما لم تأت من الامر .
كان الشيخ يسخر في نفسه من قريش ويعطف في نفسه على قريش ، يلتمس لها المعاذير في هذا الضعف الذي يصيب الناس فيخدعهم عن انفسهم ويكبرهم في اعينهم ، ويخيل اليهم انهم شيء ، وما هم بشيء امام هذه القوة القاهرة التي تغلب ولا تُغلب ، والتي تقهر ولا تُقهر ، والتي لا تريد الا بلغت ما تريد . هذه القوة التي اخرجت من البحر طيراً لم يرها الناس من قبل ، فسلطتها على جيش لم ير الناس مثله من قبل ، فما هي الا ان حلقت فوقه ساعة من نهار حتى انهزم وانحطم ، واصبح كعصف مأكول ، وسلم البيت من عادية المعتدي ، وامن البيت من طغيان الطاغية . هذه القوة التي ظن هو انه قد استنقذ منها ابنه فجاه من الموت ، وضمن له حياة



