يستطيع الغرب ان يسلب الشرق كل شيء. يستطيع ان يسلبه حريته وارضه وكنوزه ونفطه وامواله وآثاره. لكن شيئاً واحداً لا يستطيع ان يسلبه اياه. لا يستطيع ان يسلبه ماضيه بما فيه من كنوز لا تفنى وآثار لا تموت. وما دام هذا التراث الخالد يحيا فينا ونحيا فيه، فيه نستطيع ان نقاوم الدهر.
قد نغبط غيرنا من بين البشر على وفرة الغنى وتكاثر الاموال وعظم الجاه. واذ ننظر الى الصحاري التي تكتنف اقطارنا العربية من كل جانب نشعر بحزن وانكسار امام هذه المسافات الشاسعة القاحلة التي حرمت وسائل العيش والازدهار وفرقت بين جماعات تسعى الى التماسك والاتصال. ولكن يفوتنا ان نذكر ان هذه الصحاري الجدباء المقفرة قد فاضت بأبهى ما تستطيع ارض ان تمنحه من خيرات. هذه فلسطين ذات التربة اليابسة الجافة التي ليست الا امتداداً لصحراء العرب، قد تدفقت منها مياه الخلاص للبشر. وهذه الجزيرة ذات القفار الرملية المحرقة قد تفجرت بينابيع الهدى وشآبيب الرحمة
والرضوان. ولو لم يكن للصحراء فضل سوى انها انجبت المسيح ومحمداً واوحت بهذا الشعر الخالص الذي نجده في التوراة والانجيل والقرآن لكفاها ذلك فضلاً تفاخر به جميع الاقطار في جميع العصور.
ويح هذا الشرق! انجب بالرجال والابطال حين تقفر منهم جميع الارض. ويجدب منهم حين يكون اليهم احوج ما يكون!
استعبده الدرهم والدينار في ازهى عصور المدنية والرقي، وهو الذي في ما مضى هزأ بالدرهم والدينار وعلم الناس احتقارهما، وماجت ارضه بالزهاد والنساك، وظل يشير بيده الى السماء حين كانت وجوه سائر الناس مكبة على الارض غارقة في وحول المادة وحمأة الضلال!
ارسل النداء يا محمد! وألقِ على الزعماء فينا والمتزعمين امثولة الاخلاص، انت الذي في سبيل مبدأك قاومت شعباً، وجاهدت وحدك عشرات السنين لتحرير أمة، ودفعها الى مثل عليا لم تخطر لها ببال. ألقِ عليهم امثولة الزهد والاباء، انت
الذي في ابان مجدك وسلطانك ظلت تلبس خشن الثياب وتفترش اديم الارض، وتقوم الليل متهجداً وتسعى في النهار جاهداً.
قد يكون في هذا الماضي العريق الذي تتطلع اليه، كثيرٌ مما اصبح اليوم في حكم التاريخ، لا غناء لنا به، لانه لا يجاري عصرنا ولم يخلق ليعيش فيه. لكن هناك عبرة خالدة تبرز لنا اليوم مجسمة في حياة محمد ونجدها تنطبق على كل عصر: انه ما من زعامة حقيقية اقترنت بالشره وحب الجاه. وان كبار المصلحين قوم نسوا نفوسهم وتخلوا عن كل شيء في الحياة ما عدا الرسالة التي عاشوا لاجلها. وانه ما من خلاص تأمل به حتى يقوم بيننا مثل هؤلاء الزهاد الذين امتلاءت نفوسهم بدعوة مقدسة وتطهرت قلوبهم وشفاههم بنار التضحية والتجرد وانكار الذات.
« رويداً وسيطلع الصبح » قال المتفائلون من اهل الجاهلية الذين انتظروا مجيء محمد. ونحن في ظلمة الحاضر الذي نتخبط فيه نتطلع الى نور الامل وننتظر متفائلين: « رويداً وسيطلع الصبح »...

