
« محمد » نغمة، لا كلمة - لفرط ما مسحت على شفاه الخلائق! - تأخذ بالسمع، قبل الأخذ بالذهن، وتفيد خفة الحروف، وحلاوة اللفظات قبل أن تفيد العلاقة بالله! وليس على بسيط الأرض عربي لا ينفتح صدره، ولا ترج جوانب نفسه. فمن لم تأخذه بالاسلام، أخذته بالعروبة، ومن لم تأخذه بالعروبة أخذته بالعربية!!
وفي هوى محمد - ولا حرج في التمسك بالقومية، والكلف باللغة، كما لا حرج في الدين ... - تتلاقي ملتا العرب: ملة « القرآن » وملة « الإنجيل »، حتى كأنما الاسلام اسلامان، واحد بالديانة، وواحد بالقومية واللغة. أو كأنما العرب مسلمون جميعاً - حين يكون الاسلام هكذا: هوى محمد، وتمسكاً بقوميته، وكلفاً بلغته.
ومحمد، لا تستطيع طائفة، في العرب، أن تتفرد بالتجاهي به. فهو، فضلاً من كونه للخلق كلهم، حيث يتشبهون بأكرم الآدميين في حفظ النفس، وحفظ الجار وحفظ الله، لبالأجدر أن يكون للعرب، كلهم، حيث تشبه - فوق ذلك - بأبلغنا في الفصحى. وانبضنا في الجلى، يوم حط الكفة بعرب، وشيلانها بأعجام!
وأن لغير المسلم، في أرض العرب، أن لا يدين بدين ( ابن عبدالله ) وأن يخلب له، مثلا، كتاب « لابن مريم » كل حرف منه يقطر رفقاً، وصليب قعدت به دنيا، وقامت دنيا. وأما أن يكون فينا عربي، من لحمنا ومن دمنا، ثم يغدو لايت إلى محمد بعصية، ولا إلى لغة محمد، وقومية محمد، فهو ضيف ثقيل علينا، غريب الوجه بين بيوتنا ...
ولقد جعل محمد هذه الدنيا عربية بحتاً! فاستنزل كتاب ( الرسالة ) بلغة قومنا، وحاط ديانتهم بها، بل أتى ببرهانه منها - يوم زف هذا المعجز المخلد بين الحلق والحنك - ثم دار ( الحديث ) فمسح - على الأخلاق، وكرائم العادات، وفي مختلف أطوار


