
كان مكان المقابلة في منزل والدها الكريم بدر بك دمشقية . وكان الحضور والدتها الادبية الكبيرة السيدة جوليا دمشقية صاحبة مجلة « المرأة الجديدة » المحتجبة التي شقت امام الصحافة النسائية في العالم العربي طريق الفتح والابداع ، وشقيقتها السيدة سامية قرينة الوجيه زهدي بك ابو الحسن العاملة ايضاً في حقل النهضة النسائية في فلسطين .
جرى الحديث حول موضوعات شتى . تناولت الطقس في لندن ، هذا الطقس القاتم المليء بدخان المعامل وضباب الطبيعة . وقالت السيدة سلوى : « اول ما وطأت رجلاي الجزيرة البريطانية كدت اختنق . وحدثتني نفسي بالعودة سريعاً الى بلادي ، حيث الطقس رائق بديع ، وحيث الشمس تسطع من المشرق حتى المغيب وحيث الطبيعة سمحة معتدلة لا تجور بالحر ولا تسرف بالبرد القاسي . ولكنني بعد اسابيع بدأت اعتاد عليه ، فألفته واحببته . ولا شك في ان قساوة الطقس هناك لها اثر كبير على اخلاق السكان ، كما يعود اليها اكبر الفضل في صحتهم . ذلك لان البرد يخفف الجراثيم فكيف به متى كان مقروناً بالنظافة والوسائل الصحية التي اتقنها الانكليز في بلادهم الى حد بعيد . »
ثم انتقل بنا الحديث فتناول الخلق الانكليزي ، هذا الخلق الذي يتصف بضبط النفس ، واطاعة القانون ، واحترام الشخص الاخر ، والاخذ بحرية الرأي ، والترحيب بالنقد العادل الجريء ، والتعلق بالصدق والبساطة ، والتمسك بالقديم كمظهر من مظاهر الاستمرار القومي ، وقد انعكس هذا الخلق في تصرفات الانكليز جميعها ، فاذا بهم في مقدمة الامم رسوخاً وثباتاً ، لا يزعزعهم ما يزعزع سواهم من تقلبات الدهر وصروف الزمان .
وقد كان اعجاب السيدة سلوى بالخلق الانكليزي عظيماً جداً ، فليس من الحق ان نغمط للانكليز حقهم على الرغم مما بيننا نحن العرب وبينهم من خصومات سياسية . اما العائلة الانكليزية فأمر
آخر جدير بالاهتمام . وعندما سألتها ان تصف لي هذه العائلة ، اجابت : « يقال ان الحرب قد اضرت بالعائلة الانكليزية ضرراً فادحاً من الناحية الاخلاقية . فالفتيات قد ثرن الى حد ما ، على ما اصطلح عليه المجتمع الانكليزي من تقاليد . فهي اليوم تسرف بتناول المسكرات والتدخين ، وتنظر الى المبادئ الاخلاقية نظرة غير جدية . وهذا مما يؤسف له . حتى ان الموضوع قد اثير مرة في مجلس العموم ، واسهمت الصحف في معالجته ، وجرى حوله نقاش حاد لا يزال المسؤولون يعيرونه كثيراً من الاهتمام . وعلى كل حال ، فالعائلة في بريطانيا محترمة ، بيد ان الرابطة العائلية اضعف منها عندنا ، فهي ليست شاملة كما هي الحال في بلادنا الا في العائلات الارستقراطية . فالارتباط العائلي عامة لا يتعدى حدود الاب والام والاولاد »
وكان للسيدة سلوى ، بعد ذلك ، حديث طويل عن المعيشة ومستواها . فالسوق السوداء موجودة في المدن فقط . والاقبال عليها نسبياً قليل ، ومعظمه من قبل الغرباء واليهود خاصة . والناس هناك يتذمرون من قساوة التقنين . والنساء هن اللواتي يشترين حوائج العائلة من الاسواق . والتقنين قد محا تقريباً الفرق بين الطبقات ، فالغني والفقير سواء . ومن النادر ان تجد الغني يشتري من السوق السوداء فوق ما يصيبه من الاعاشة .
وقد كنت استعجل الحديث لكي نصل الى الازياء . والازياء موضوع حبيب الى قلب النساء في كل عصر ومصر . فقالت لي : « الزي في بريطانيا بسيط . فالتقنين يحد من اسراف المرأة فيه . وعلى كل ، فهو على بساطته جميل ونظيف . وتكثر السيدات من لبس « التايور » . وقد ادهشتني ثقة المرأة بنفسها حتى انها لا تهتم بما تلبسه مهما كان مركزها الاجتماعي عالياً . واذكر اني زرت عائلة من الطبقة العالية جداً ، فاستقبلتني السيدة بجوارب مرقعة لا يمكن ان تلبسها خادمة في لبنان . »
وقبل ان ينتهي بنا الكلام ، وددت ان اسأل السيدة سلوى عن نظرة الانكليز نحو العرب ونحو قضاياهم . فقالت : « الاكثرية هناك تجهل الشؤون العربية وتجهل حقيقة العالم العربي . ولكن معرفتهم تزداد بسبب النشاط الذي يبديه المكتب العربي والمفوضيات العربية ، وبسبب زيارة بعض افراد الجيش للاقطار العربية خلال الحرب . فالذين كانوا من هؤلاء الافراد في فلسطين يكرهون الصهيونيين كثيراً ، اما الذين كانوا في لبنان فيحبونه محبة فائقة ويحنون الى العودة اليه للتمتع بجماله وعذوبته وسحره . »
وهنا كان لا بد للمقابلة ان تنتهي . فقد طالت كثيراً دون ان انتبه . ومن تراه ينتبه في مقابلة جميلة كهذه فيها من الحديث سحره وعذوبته وطلاوته ، وفيها من الحضور اديبات كبيرات لهن على نهضة المرأة العربية فضل عميم .