ظهر أن الأواني المرمرية الجميلة الصنع التي اكتشفت في قبر توت عنخ آمون، فرعون مصر الذي عاش في سنة ١٣٥٠ قبل الميلاد، كانت تحتوي على عطور ومواد للزينة والتطرية والتجميل، ولقد ثبت عند فتح تلك الأواني، أن المواد والعطور التي بها، قد احتفظت بشذاها وأريجها طيلة الثلاثة آلاف عام التي مرّت منذ أحكم سدها العطار المصري الماهر، الذي جمع مخاليطها وركب أجزاءها.
وكانت العناصر التي تتركب منها تلك المواد شديدة الخطر والضرر، ولكن القانون يحرم استعمالها في الوقت الحاضر. فقد مضى الوقت الذي كانت تدخل فيه ديدان الأرض الحمراء في تركيب مواد الزينة والتطرية والتجميل، كما كانت عليه الحال أيام الرومان، بل وقبل ذلك، وحلت محلها في الوقت الحاضر مواد
مستخرجة بطريقة علمية دقيقة، تشرف السلطات المختصة إشرافاً تاماً على نقائها وخلوها من الضرر، حتى أن معظم تلك المواد الآن لم تعد خالية من الضرر فحسب، بل ومفيدة أيضاً إذا استعملت بمقدار وحكمة. فالأدهان المرطبة مثلاً، تساعد على تنعيم البشرة وتنظيفها وتطريتها، كما أن مواد الزينة والتجميل، فضلاً عن ذلك تأثيراً نفسياً قوياً مستمداً من شعور الإنسان بأنه يحس بالصحة والعافية وتبدو عليه مظاهرها.
ولانتاج أرواح العطور من الأزهار والورود طرق مختلفة، ولكن أكثرها شيوعاً في الوقت الحاضر هي استخلاصها من الزهور بواسطة مادة محللة كالأثير ثم تقطيرها بعد ذلك.
ولقد كانت معظم العطور إلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر باهظة الثمن جداً. ذلك لأنها كانت تستخرج من المصادر الطبيعية، ويكفي لإدراك ذلك أن نعلم أننا نحتاج إلى عشرين طناً من زهر البنفسج، لننتج أوقية واحدة من خلاصة العطر الصافية، وأننا نحتاج إلى طنين من أوراق زهر الورد لننتج رطلاً واحداً من العطر الصافي. ولكن حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أن بدأ عهد الكيمياء العضوية الصناعية، فحللت العناصر الدقيقة التي تتألف منها عطور عديدة، وجهز معظمها بطرق صناعية في المختبرات العلمية أولاً، ثم في معامل الروائح العطرية بعد ذلك.
على أن العطور إنما صنعت طبقاً لأدق المبادئ والوسائل الحديثة، فإن شذاها العبق، الذي يملك على الإنسان مشاعره، ويلطف إحساسه، إنما يعتمد الآن كما كان يعتمد أيام توت عنخ آمون، على مهارة من يتولى تركيبها ونبوغه في فنه.



