
منتصف القرن الماضي قررت فئة من النساء بدء النضال في سبيل الحصول على حق الانتخاب للمرأة وحق الاشتراك في ادارة البلاد الحكومية . ولقد كان من بين هؤلاء النسوة أملي دايفس التي تمكنت بعد جهود جبارة من تأسيس كلية غيرتون ، وهي المقر الاول للنساء في جامعة كمبردج ، واليزابيث غاريت اول امرأة طبيبة في انكلترا . وعلى التوالي بدأ النساء يتكتلن . وفي غرة القرن الحاضر قوي الشعور لدرجة ان اتبعن خطة ايجابية نضالية ادت الى قيامهن بمظاهرات صاخبة وتقدمهن عرائض للبرلمان . وعندما كانت هذه الامور كلها لا تجدي نفعاً كنّ يعمدن الى العنف والشدة وتدمير الاملاك وكسر النوافذ .
غير ان تلك الحالة لم تدم طويلاً بل جاءت الحرب العالمية الاولى ووضعت حداً لها . فحولت النساء جهودهن الى النشاط الحربي في البلاد وبرهن عن مقدرة فائقة في مساهمتهن في المجهود العام . وهكذا حللن مكان الرجال في المصانع والزراعة والحوانيت واعمال المصارف والتجارة قائمات بنصيبهن من عبء الحرب . وبالرغم من ان تحرير المرأة تأخر الى ذلك الحين الا ان النتيجة كانت باهرة وباهرة حقاً اذ ان المرأة في بريطانيا برهنت للملأ باعمالها الملموسة عن مقدرة خولتها ان تسير جنباً الى جنب مع الرجل في سبيل رفع مستوى الامة ، وان تشاركه في اعباء الحكم وادارة الحكومة .
وبالرغم من ان ذلك لم يكن سوى البداية الا انها قضت على النظرية القديمة القائلة ان المرأة لا تستطيع سوى ادارة منزلها وتربية اطفالها ، وجعلت من الجنسين اشخاصاً متساوين في الحقوق لا يفصل بينهما فاصل . وفي عام ١٩١٨ صدق البرلمان على مشروع قانون يسمح لاصحاب المنازل ونسائهم اللواتي تزيد اعمارهن عن الثلاثين بالاقتراع . ولقد كان الهدف من وراء تعيين السن يرمي الى تخفيض عدد النساء المقترعات حتى لا يصبحن اكثرية . ولعشر سنوات خلت عندما تحقق البرلمان من عدم امكانية قيام حزب نسائي صدق على مشروع قانون منح بموجبه المرأة جميع الحقوق السياسية التي يتمتع بها الرجل .
ومع ذلك فالرغبة الاساسية المتقدة في أعماق اعماق المرأة لم تتعدّ كونها في يوم من الايام الحصول على منزل واولاد يكونون لها في المستقبل عوناً على عاديات الزمن . فالمنزل مملكتها وفيه
تبسط سلطانها على كل شيء ولا ترد لها رغبة . وما نفع المنزل اذا كان خالياً من الأم كما تقول الاغنية . وقد يكون المنزل عرين الرجل ولكن الأم هي التي تضع اسه . وانه لفخر عظيم للأم ان تخلع على منزلها ظلاً من جمال نفسها فتنظفه وتزينه وتؤمن فيه لاولادها ولزوجها جميع ما يلزمهم لتتوفر السعادة في ارجائه ويغدو نعيماً مقيماً . وتعتبر هذه الامور اساسية في كل منزل ، اذا كان لا بدّ من ان يكون منزلاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى .
ومع ذلك كله فليس باستطاعة كل امرأة ان تحقق حلمها بالزواج والمنزل . وهناك عدد كبير من المهن التي تتطلب جهوداً عظيمة لدرجة تقضي قضاء مبرماً على الخيبة التي تلاقيها المرأة عندما لا ترى تحقيق حلمها الذي رافقها منذ الصغر . وتعتبر مهنة التمريض اكثر المهن انتشاراً بين النساء في بريطانيا وكذلك الاشراف على المشوّهين والمرضى عقلياً وجسدياً . وهناك فروع اخرى تنبثق عن تلك المهنة الشريفة ومنها التدليك والتصوير بالاشعة وتدريب المشوهين على العمل وغيرها . ومنهن من يخترن الاعمال الاجتماعية فيقمن بزيارة المسنين والمعوزين او يكرسن حياتهن للتعليم او لاصلاح الاحداث . وهناك بالاضافة الى ما اوردنا نساء طبيبات ، وعالمات ، ومحاميات ، ومهندسات ، ورسامات الخ ... وهكذا نرى ان المرأة لم تترك حقلاً الا طرقت بابه ونجحت فيه نجاحاً كبيراً . ولعل من الاسباب التي ادت الى هذا النشاط الغريب ان عدد النساء في بريطانيا يفوق عدد الرجال بمليوني نفس .
ان سنوات الحرب الاخيرة دلت بكل وضوح وجلاء على مقدرة المرأة البريطانية . فلقد لعب الجنس اللطيف في الحرب الماضية دوراً صغيراً نسبياً . اما في الحرب الاخيرة فقد تبدّل كل شيء وجندت كل فتاة بين سن العشرين وسن الخامسة والاربعين وعملن في الزراعة لتخفيف وطأة الحصار البحري وتوفير المساحات في السفن للاغراض العسكرية ، وحللن محل الرجال في المصانع والتحق اكثرهن في القوات البرية والبحرية والجوية . ولا ريب في ان قيامهن بالاعمال التي كانت حتى ذلك الحين خاصة بالرجال افسح الفرصة امام الجنس الخشن للالتحاق بالقوات المحاربة في الجبهات واحراز النصر في النهاية .
لقد برهنت النساء في بريطانيا بجهودهن واعمالهن المثمرة عن مقدرة فائقة بمساهمتهن في مجهود الامة وبهذه الطريقة وحدها بلغن الهدف الذي ناضلن كثيراً في سبيله ، ألا وهو المساواة بالرجل .