


أتعرّض في حديثي هذا لنقاط ثلاث في إسحاق الموصلي هي: منزلته الادبية والعلمية، فنّه الغنائي وإلمامه به، تشبهه بأبيه والسير على خطواته.
كان لأسحاق دالّة على الخلفاء قصّر عن الوصول الى مثلها أبوه ابراهيم. فقد كانت منزلته العلمية والادبية تشفع به فيفضلونه على بقيّة الشعراء والمغنين حتى انه كان يدخل على المأمون مع الفقهاء، لا مع المغنين. وكان هؤلاء يدخلون وكلٌ يحمل عوده الا اسحاق فكان يدخل وليس معه عود. وبلغت به دالّته أنه لم يعد يرضى ان يدخل على المأمون في مقصورته، في مبطنة وطيلسان مثل زي الفقهاء، بل سأله يوماً، وقد بلغ به الكبر كل مبلغ، ان يأذن له في دخول المقصورة يوم الجمعة بدرّاعة سوداء وطيلسان اسود: فتبسم المأمون وقال له: «ولا كل هذا مرة يا اسحاق ...» واشترى ذلك منه بمائة الف درهم حتى لا يغتم. ولكن اسحاق كان كثيراً ما يغتم. حدث مرة انه علم ان الرشيد لا يأذن له بالدخول عليه الا برفقة ابراهيم ابن اخي سلمة، وكان هذا قد احتال على الرشيد ليضحك من اسحاق ويُذلّه، فمضى اسحاق الى الفضل بن الربيع شاكياً، باكياً يهدّد بترك الغناء وتطليقه. وما ان عرف الرشيد ذلك وفهم حيلة ابن سلمة حتى قال للفضل: قل له: يجيء متى شاء وينفرد عنه ولا يجيء معه ولا كرامة. وكان ابراهيم ابن اخي سلمة هذا مولى من موالي
الرشيد، وكان يحسد اسحاق، فكثيراً ما يتنازعان ويتشاقان. ولقد شبه اسحاق مرة وعيّره فكان ان تربّص له، وهو ذاهب في طريق، فضربه على رأسه بمقرعة فيها معول، فكان ذلك سبب ضعف بصره. ولما بلغ الخبر الرشيد حلف الا يدخل ابراهيم عليه واسترضوه عنه كثيراً فحلف الا يرضى عنه حتى يرضى اسحاق.

وبلغ من حب الرشيد لاسحاق ان نهاه عن ان يغني احداً غيره. وكان يغار عليه من الناس ويعاتبه على مجالسته الفضل وغنائه له فيحلف اسحاق له بتربة المهدي انه ما غنى الفضل ولا جالسه الا على المذاكرة والحديث فيأنس الرشيد بقوله ويأمره بمكافأته والاحسان اليه. واختلف مرة اسحاق وابراهيم بن المهدي في شيء من الالحان والتجزئة والقسمة، فقال بن المهدي: «الى من احاكمك والناس بيننا حمير!!» وابراهيم، قائل هذا القول، كان
يأكل مع المغنين اكلا حتى يحضر اسحاق فيداريه ويطلب مكافأته، واسحاق يبكته ويعارضه. قيل: كان اسحاق آفة ابراهيم، كما ان لكل شيء آفة. والحكايات كثيرة عن المنزلة التي كان يحتلها اسحاق في عيون الخلفاء والامراء. قال الواثق في بعض العشايا، وكان قد عزم على الصبوح في غد: «لا يبرح احد من المغنين الليلة.» فامسكوا جميعاً على معارضته الا اسحاق فانه قال له: «لا وحياتك ما أبيت!» فما كان للواثق اكثر من ان قال له: «فبحياتي الا بكرت يا ابا محمد؟ كل هذا، والمغنون حاضرون يتقطعون من الغيظ. وكان الغد، فاذا باسحاق مع احمد بن ابي دؤاد يماشيه في زيه وسواده، وطويلته مثل طويلته. وما ان رآها المغنون حتى قامت قيامتهم على اسحاق فقال عاويه: «يا هؤلاء! خيناكر (فارسية ومعناها المغني المضحك) يدخل على الخليفة مع قاضي القضاة! أسمعتم بأعجب من هذا البخت قط؟» وتقدم اسحاق وجلس في صف الندماء لا يخرج منه حتى اذا امره الواثق بالغناء خرج قليلا واتى بعود فغنى ثم رجع الى صف الجلساء. يتضح من كل ما تقدم انه ما كان لأحد ان يجرؤ على مسّه او الحط من كرامته حتى ولا ان يجرؤ على التهاون في حضرته. قيل: كان المغنون اذا حضروا وليس اسحاق معهم غنوا هويني، وهم غير مفكرين، فاذا حضر اسحاق لم يكن الا الجد. وكانوا يتلاشون امامه فيصبحون معه اقل من التراب ويذوبون امامه كما يذوب الرصاص في النار. سأل احدهم زرزور بن سعيد المغني قال: حدثني عن اسحاق كيف كان يصنع اذا حضر معكم عند الخليفة، وهو منقطع ذاهب، وحلوكم ليس مثلها في الدنيا؟ قال: كان، والله، لا يزال بحذقه ورفقه وتأنيه ولطفه حتى نصير معه اقل من التراب. وقيل لزرزور مرة اخرى: ما لكم تذلون لاسحاق هذا الذل؟ وما فيكم احد الا وهو اطيب صوتاً منه؟