
شك اننا نمرّ الآن في جيل من تاريخنا عصيب . وكيف لا يكون عصيباً هذا الجيل الذي نحاول فيه ان نستقرّ على حال معينة من الوجود الحق .
وكم دارت علينا اجيال لم يكن لنا فيها حظّ قليل او كثير من الوجود : فكنا شعباً تائهاً لا يتبيّن أمسه ولا يميّز يومه ، ولا يعرف في غده ماذا يريد .
واذا كان دليل وجود شعب من الشعوب وجوداً حقاً ، هو ما يقدّمه من مساهمة فعالة في حقول العلم والفن والفلسفة ، فلم نكن نحن ، اذن ، موجودين . ذلك لاننا لم نقدّم منذ اجيال ، اية مساهمة تذكر في هذه الحقول جميعاً .
أما اليوم ، فاننا نحاول ان نوجد : فنبني مجتمعاً جديداً يقفز بنا الى الامام وييسّر لنا اللحاق بقافلة الشعوب المتحضرة . وكم تضاربت هذه المحاولة وتشعبت . وهذا ليس بعجيب . فاذا بنا ننقسم الى معسكرات متباينة يشق كل منها طريقاً لهذه المحاولة متبايناً .
ولعل اهم هذه المعسكرات ثلاثة : معسكر يجنح الى الغرب – كل الغرب ، ومعسكر يجنح الى الشرق – كل الشرق ، ومعسكر يزعم الاعتدال فيزيغ حائراً بين هذا وذاك من المعسكرين .
فأيهم ، يا ترى ، على صواب ؟ أهذا المعسكر الذي يؤمن بان عدم وجودنا ، طيلة هذه الاجيال الاخيرة ، ناتج عن الانقطاع الذي انحدرنا اليه تباعاً ، بحكم الظروف العقلية والروحية التي احاقت بنا ، عن سياق الحضارة الاصلية التي تجلّت باجلى ما يكون في حياة الشعوب الغربية ونتاج عقول عباقرتها ؟ ام ذلك المعسكر الذي يعزو عدم وجودنا الى اهمالنا للتراث العظيم الذي خلفه لنا اجدادنا – هذا التراث الذي يزعمون انه مكتفٍ بنفسه ، قادر بحد ذاته على ان يوحي لنا اسس المجتمع الجديد ، مؤهلٌ بما يكمن في جوهره من حق وخير وجمال لان يحقق لنا الوجود الحق الذي نتوق اليه ؟ ام ان الصواب لا في هذا ولا في ذاك ، بل فيما يؤمن به المعسكر الثالث الذي يتمسك باهداب الاعتدال فيدعو الى اقتباس الأحسن من الغرب والاحتفاظ بالاحسن بما في الشرق ، والعمل على مزجهما بحيث تتوفر لنا الاسس الصحيحة لبناء مجتمع جديد نعبر فيه عن وجودنا باروع ما يكون التعبير ...
والحق ، ان مشكلة عدم وجودنا ليست على مثل هذا الصعيد من السهولة : فلا هي تنحل بالانصراف الى كل الغرب ، او الاحتفاظ بكل الشرق ، او اللجوء الى بعض الشرق وبعض الغرب . المشكلة أعوص بما لا يقاس . انها تتناول كياننا كله من اعمق اصوله . وما نحن نحاوله ليس سوى اتجاه . والاتجاه يحتاج الى توجيه . والتوجيه ، كما نعلم ، ينبغي له ان يرتكز على مبادئ .
فسواء وجهنا اتجاهنا نحو الغرب ، وسواء وجهناه نحو الشرق ، وسواء وجهناه نحو الاعتدال بين الشرق والغرب ، فنحن بحاجة الى مبادئ نهائية دائمة نرتكز عليها في هذا التوجيه . فما هي هذه المبادئ ؟
اجل ما هي هذه المبادئ ؟ انه متى وعيناها وحددناها وآمنا بها ، تسنى لنا عندئذ ان نرتكز عليها في اختيار الاتجاه الذي تفرضه هي نفسها علينا وتقرره .
وهكذا فان مشكلة وجودنا هي مشكلة ما لا نؤمن به ، وما ينبغي ان نؤمن به ، من مبادئ ...
