
بضرورة الاهتمام باطفالنا وان القرن العشرين وهو عصر العالم والنور كاد ينتصف ونحن لم يتيسر لنا بعد ان ننشيء روضة لاطفالنا يتلقون فيها التهذيب الصحيح بالطرق العلمية الحديثة - فقمنا جميعاً هبة واحدة الى تأسيس جمعية رعاية الاطفال .
كان ذلك سنة ١٩٣٧ ولم يمض وقت قصير على تأسيس هذه الجمعية حتى انضم اليها الفريق الاكبر من سيدات طرابلس فبلغ عدد الاعضاء نحو ١٤٠ عضواً من مختلف الطوائف والمذاهب وكاهن لهفة لتربية الطفل والاخذ بناصره ، وكان هم الجمعية الاول بعد ان توقفت اعمالها اثناء الحرب الاخيرة ان تنشيء روضة للاطفال على غرار المدارس الراقية - ذلك اننا نؤمن ايماناً قوياً ان خير اصلاح يبدأ في الطفل - ولقد تمكنا من الحصول على دار للروضة تقع في اجمل بقعة من مدينة طرابلس .
اما رئيسة الروضة فهي الآنسة نجاح كبارة . كان افتتاح الروضة لاول مرة في طرابلس في اول تشرين الاول سنة ١٩٤٥ فهي تضم اليوم ستين طالباً وطالبة تتراوح اعمارهم بين الثالثة والسابعة - ولما سألتها عن سير المدرسة وعن الوسائل التي تستعين بها للوصول الى هدفها قالت : ان الجمعية مرتاحة جداً الى سير الروضة واهم ما تعنى به المشرفات عليها هو غرس الاخلاق الفاضلة في الطفل وتعويده الاعتماد على النفس - وجعله يشعر بشخصيته ويثق بها - ولا بد لي ان اذكر اننا اشتركنا مؤخراً بتعميم يوم الطفل بطرابلس تكاتفاً مع لجنة رعاية الطفل في بيروت ( احدى لجان الاتحاد النسائي اللبناني العربي ) وسعينا بشتى الوسائل لتعريف هذا اليوم للرأي العام وجعله عيداً وطنياً في كل انحاء لبنان - ولقد جمعنا نحو الفي ليرة ارصدناها للترفيه عن اطفال طرابلس الفقراء .

كم فكرت وانا اتحدث الى هذه السيدة الكريمة عن مدرستها وميتمها ، بالفريق الاكبر من سيداتنا اللواتي يعشن متنعمات مترفات في قصورهن ، بعيدات عن جو الفقر والفقراء ، مغلقات آذانهن عن صراخ الانسانية المتألمة حولهن كأنهن يعشن في المريخ !!
استقبلتني السيدة هورتانس في قصرها الفخم واخذت تحدثني عن مشروعها الخيري الذي تبذل في سبيله اثمن ما لديها : وقتها الثمين ونشاطها ومالها - قالت : اسم مشروعنا : مدرسة وميتم مارالياس - وهو ثمرة لا تزال رخصة ، مولود صغير لجمعية السلام والمحبة التي تطورت مع الزمن الى مدرسة مهنية غايتها الاساسية ايواء اليتامى وتعليمهم وتثقيفهم . لقد رأينا ان الجمعيات التي تستهدف اهدافاً كثيرة عددها كبير في البلد ، ورغبة منا في الاهتمام بجزء من بناتنا اللواتي هن في نظري احق الناس بالرحمة والشفقة - لذلك احببنا ان نقصر اعمال جمعيتنا باليتيم لان الله وصى به والكتب المنزلة قالت بالعطف عليه والاخذ بناصره . بذلت مع فريق من خيرة سيداتنا جهوداً جبارة في سبيل تنفيذ هذه الفكرة الى حيز الوجود فوضعت ادارة الاوقاف الارثوذكسية بناية كبيرة في دير
مار الياس تحت تصرفنا - فجهزناها باحسن ما يمكن - والآن يعيش فيها خمس عشرة فتاة جمعتهن من اوساط فقيرة معدمة ، لا يستطيع ان يتخيل وجودها انسان !.
- وكيف يسير الميتم ؟
على غاية ما يرام من الدقة والتنظيم - هناك مدرسة وهناك ميتم - اما المدرسة فهي تعنى بتعليم هؤلاء البنيات اللغتين العربية والفرنسية ، هذا يتم قبل الظهر . اما بعد الظهر فتبدل الفتيات جهودهن في الاهتمام بالشؤون المنزلية والاشغال اليدوية .
- وعلى ماذا تعتمدون في مالية الميتم ؟
على الله وعلى الحفلات المختلفة وعلى ما تجود به النفوس الكريمة - وان اخبار الميتم قد تعدت حدود بيروت فهناك من يتم بتموين الميتم من طرابلس وبعلبك - وهناك من يتم وهو بعيد عنا في المهجر ان يكون للميتم بناؤه الخاص وفي مقدمة هؤلاء السيدتان ادما يافت وفريدة مالك ججا . ان المستقبل لنا .
ووقفت محدثتي عن الكلام . ولكن حرارة حديثها وقوة ايمانها كانت قد فعلت فعلها في نفسي . فودعتها مهنئاً متمنياً لهذه السيدة النبيلة ولرفيقاتها في جهادهن الخير والتوفيق .