

في حياة العظماء... كأن لم يبعث أولو الاولمب بصنيعتهم الا الى العظماء، وكأن عرف الكون مخلوقاً لم تتوغل الى اعماقه هذه المخلوقة الخالقة فلم يحسّ بعندلة فجر او فحيح ظهر.
من العظماء الذين كانت لهم المرأة خمراً تسكر ولم تكن مخدراً يردي، إدغار أ. بو. وبو من اولئك الشعراء الذين عرف عنهم شدة التصاقهم بالمرأة واعتماد اديهم عليها. كيف لا يكون احدهم، وهو المولع ابداً بالجمال، يقدسه ويخلده في شعره؟ كيف لا، وهو ابداً يحلم، والمرأة حلم اكثر منها يقظة، وبصدمه الواقع انيّ عاد اليه؟ كيف لا، وهو يؤمن بأن ليس للشعر غير الجمال من هدف، والجمال مجرد عن المرأة فكرة لم تتجسم؟
كان بو يحب المرأة لانه كان في حاجة اليها ــ هذا اهم ما في قصة علاقاته مع المرأة. فقد كان طيلة حياته كالولد الصغير، في حاجة الى من يعينه ويسنده. كان قاصراً، لا يستطيع ان يسوي اموره بنفسه، ولولا وجود نسوة من حوله، يعتنين به كل ايامه ويشفقن عليه ويوحين اليه ويشعرنه الحب والعطف، لما كان عاش السنوات التي عاشها ولما كان كتب ما كتب. دليل قصوره ذاك انه لم يكن يجرؤ قط ان يخرج من بيته في الظلام، ولم يكن يستطيع البقاء في الليل وحده، فكانت ام زوجه تقوم بدور الحراسة، وتظل تمرّ بيدها على جبهته العريضة الناعمة، وهو تائه في خيالاته الضائعة عن ربة حلمه، فاذا ما
سحبت يدها استغاث بها كالطفل: ليس بعداً!
ولم تكن حاجة بو للمرأة ناتجة عن عجزه تدبير اموره بنفسه فقط، بل ايضاً عن عامل نفسي آخر هو فقده حنان الام في الصغر. فقد ماتت امه وهو في الثانية من عمره، فشبّ لا يعرف طعم هذه النعمة الكبرى، لكنه يعرف قيمة طعمها، فزاد حنانه اليها، وتعمقه حاجته اليها، واصبح يفتش عنها في كل امرأة. لذا لا نستغرب حبه الهائل لأم زوجه، وحبه طيلة ايامه لنساء متزوجات يكبرنه سناً، بل تعلقه وهو في الخامسة عشرة بأم صديق له، لمح في ابتسامتها عطف ام فقدها حتى مماته،
واثّرت في كل مجرى فكره وشعره، فخط فيها بعد وفاتها بسنين احلى مقطوعاته، «الى هيلين». لا نستغرب هذا، وهو الذي يرى بأن الملائكة حين يوشوش احدهم رفيقه في السماء لا يجدون بين كل الفاظ الحب الملتهبة لفظاً اقدس من «الأم»!
ويلمح المطالع لقصة حياة بو انه كان محباً منذ حداثته، ولم تنقطع صلته بالمرأة يوماً واحداً حتى موته. ذلك لحاجته اليها كما قدمنا ولان حبه لما كان يمتاز بهذا: انه كان حباً لحب المرأة لا حباً للمرأة نفسها. وهذا ناتج عن شدة انغماس بو في الوهم والخيال، بحيث كان يتصور انه يحب،