تلقته «صوت المرأة» هذا المقال مع رسالة بإمضاء «جهان عوني». وهو، كما سيرى القارى، قطعة أدبية رائعة. فإذا كانت «جهان عوني» حقاً «سيدة» أو «آنسة»، تكون صوت المرأة قد اكتشفت لقرائها «إمكانية» أدبية من الطراز الأول، لشد ما يحتاج إلى مثيلاتها، الأدب النسائي في الوقت الحاضر.
وكان لها مع نفسها حديث ..!
عرفتها بعد أن سمعت عنها الشيء الكثير، وبعد أن قيل لي فيها، ما ليس يقال إلا في بعض الشخصيات التي قلما تنساها الذاكرة وتتخلص منها بسهولة. عرفت عنها فيما عرفت أنها مديرة لمدرسة رسمية للإناث، وإنها تشغل هذا المركز منذ أمد بعيد خير ما تشغله خبيرة، وإنها إلى ذلك لطيفة لسنة، وأنيقة متفننة.
ولأمر ما، لعله إجماع الناس على الإعجاب بها وبإدارتها بنوع خاص، كما لم يجمعوا يوماً، أو لعله إرضاء للولع الذي يستبد بي فما يتركني حتى يرغمني على تحليل أمثال هذه الشخصيات، وجدتني أتسقط الأخبار عنها - كلما سنحت مناسبة - فما ازداد إلا تشبثاً في التعرف إليها، وإلا رغبة في السعي من أجل ذلك.
ولكن الأيام تكر، والسنين تتلاحق، وفي كرها وتلاحقها من النوائب ما لا غنى لبشري - مهما سعد - عن مجابهتها. فإذا بالفكرة تحمى وإذا بخيالات وخيالات تأخذ مكانها من الذاكرة فما تنفك عن مداعبتها حتى تظهر لعالم الوجود حية ظافرة. وهل الحياة نفسها إلا (خيالات تروح وأخرى تجيء) على حد تعبير أحد كتابنا؟ حتى إذا تبع الحول الحول وانقضى العمر دون أن نستقر، إذا بهذه الحياة تنسل انسلالاً فما ندري أننحي عليها باللائمة أم نحمد لها صنيعها النبيل !!
وتشاء الصدف أن أتعرف إليها من جديد. يطالعك فيها إذ تطل عليك قامة تنهد إلى الطول في شيء من جلال التناسب، حتى إذا أخذت عيناك وجهها أدهشك كيف يمور الشباب في قسماته المنمنمة،
وكيف تبتسم الحياة أبداً في العينين الصغيرتين المعبرتين عن كل ما يدور في نفسها المتوثبة وعقلها الذي ثقفته السنون من أفكار ونظريات ومثل، فإذا ما جلست إليها جلسة المحدث المستمع، أفاضت عليك من آرائها الخاصة - التي لا تمت إلى القديم البالي بسبب، ولا تتصل بالجديد المتهور بصلة - إفاضة العارف الذي يشبع الموضوع درساً فما يترك منه لا كبيرة ولا صغيرة. كل هذا بلهجة وديعة ولكنها مهورة بقوة الإقناع، وهي غالباً ما تعتمد في منطقها على وحي القلب والدين. وإنها لحكيمة في غير تعنت، ومتفلسفة في غير تمسك، ونظامية في غير شدة، تفرض أوامرها على المحيطين بها والعاملين معها فرضاً محبباً فيه من السحر فنون. فهي إذا ما طلبت فكأنما يكمن الرجاء وراء طلبها، وإذا ما أمرت فإنما تشعرك بأنها وإياك مأموران من لدن سلطة أقوى هي سلطة الضمير، أو الإخلاص الخاص إلى العمل الموكول أمره إليكما، يرافق هذا كله نغمة حلوة تتأرجح بين النعومة والقوة كما تتأرجح الفتوة في كل عضو من أعضائها التي لا تستكين. فهي تتكلم، وتفرض، وتحلل، بينما يداها منهمكتان بسنارتيها اللتين قلما تتركهما إلا إلى قلمها الدقيق وسجلاتها الضخمة، وبينما رجلاها تخبطان الأرض خبط موسيقي هاو.
وقد كنت أحسب، وأنا أمد يدي إليها للمصافحة لأول مرة، إني سأصافح يد عاملة مسنة لم يترك لها العمل الطويل من الأنوثة إلا اسمها، فإذا أنا أمام أنوثة كاملة، من الصوت إلى الجلسة إلى النظرة إلى الحديث إلى انتقائه. فهي إذا ما أفاضت عن إعجابها بالمرأة التركية مثلاً وبما تقوم به من جلائل الأعمال إلى جانب الرجل
علقت على قولها هذا بأنها تحب للمرأة أن تكون بعيدة عن السياسة.. لأن السياسة كالنار أن لم تجد ما تلتهمه التهمت نفسها والمرأة في معتقدها شيء لطيف يجب أن يمتنع عن خوض مثل هذا المعترك. والحب عندها بديهي، إنها تنظر إليه من وراء منظار وردي اللون يوشيه الوفاء والطهر والنبل ولا يمكن أن تعتقد فيه غير ذلك، وما خرج عن هذه الصورة فهو ليس من الحب في شيء..
ونظرتها إلى النشء الذي طالما تعهدته وتتعهده بيقظتها، فيها شيء من التشاؤم. فهي تحس بعظم الرسالة الملقاة على عاتقها، إنها ما حيلتها في التربية المنزلية الفاسدة! وإين الأم الحقيقية التي تهدد أطفالها على نغمات الوطنية، والصدق، والمحبة؟ أين الأم التي لا تساعد طفلها في التمويه على أبيه مثلاً بأنه لم يكسر هذا الإناء الذي تتهم المرأة بكسره؟! أين الأم المثالية التي تعرف ما لها وما عليها فتفرض على أولادها احترام أنفسهم، واحترام الناس، وتقديس الواجب وحب النظام؟
وأما نظرتها إلى الناس أو على الأصح إلى المقربين إليها منهم ففيها شيء من التشاؤم أيضاً، فهي كبيرة القلب، كبيرة النفس. ومن كانت خلاله هذه، صعب عليه أن يجاري بعض الناس فيما فطروا عليه من سوء خلق، وكان مرمى لتباهم التي إن لم تكن صائبة فهي ولا ريب تفعل فعلها السيء في هذه النفوس المجبولة على حب الخير، والجمال، والطمأنينة. وتضطرها الوحدة ثم البيئة، إلى أن تعاشر، فتندفع جد مخلصة، جد واثقة، حتى إذا استخلصت صديقاً وأطلعته على دخيلة نفسها الحيرة وأعطته من ذات هذه النفس ما ينوء هو بحمله وتقديره، استرجعت ثقتها للتو، وكان لها مع نفسها حديث ..
