صعبٌ دقيق هذا الدور الانتقالي الذي تمر به نساؤنا. هذا الدور الذي ينقلهن من الجمود الى الحركة، من المحافظة الى الحرية، من الانضباط المصطنع الى الانعتاق الزائف.
مؤلمة حقاً حالة الفتاة القروية التي لم تعرف غير بيتها وبعض بيوت القرية. قد تكون على شيء من الثقافة التي تلقتها في مدرسة القرية لكنها ثقافة جامدة ضيقة قديمة غير مرتبطة بالحياة، لا تزيد على شيء من القراءة والحفظ الببغائي وكثير من الزجر والضبط وقهر الذات حتى تصبح الفتاة المسكينة صنماً متحركاً لا ارادة لها ولا تفكير ذاتي.
وقد تكون فتاة المدينة اسعد حالاً. انها اخف حركة واكثر جرياً مع الموضة في مظهرها الخارجي واقوى شخصية واقل غباوة وجهلاً من الاولى. لكن روح العبودية التي تميز هذه تظهر في تلك بشكل جديد، مع الفرق ان فتاة المدينة اكثر استرسالاً مع عواطفها واقل ضبطاً لغرائزها.
ان لفتاة المدينة ايضاً مشاكلها الخاصة. وهي اشد احساساً بها من الاولى فهي لهذا اكثر تألماً. عليها في اكثر الاحيان ان تسعى وراء معاشها لان مستوى المعيشة عندها ارفع مما هو عند الاولى. ولان
فتاة المدينة ... وراء الزوج
لديها فرصاً للعمل والكسب ليست للاولى فهي تشتغل وترضى بالشغل رغم قيوده ومتاعبه لكي تستطيع الانفاق على حاجاتها الكمالية وتستغني عن جميل الاهل او تكفيهم مؤونة الانفاق عليها. ولكن – بينما لفتاة القرية اهل واقارب يديرون امر زواجها ويجدون لها رفيقاً بغير مشقة – يبقى على فتاة المدينة ان تسعى بنفسها وراء الزوج لان فتى المدينة معرض عن الزواج بعكس فتى القرية، ولان فرص الاحتكاك المفتوحة للجنسين تخلق بين الفتيات هذا التزاحم العنيف المضني الذي يجعل حياتهن المقسمة بين الشغل والتبرج والملاحقة صراعاً ينهك قواهن وقد يصرعهن.
مرت ببالي هذه الافكار اذ عثرت في احد هذه الاصباح الباردة بثلاث فتيات في الترام قد احطن بفتى احاطة السوار بالمعصم وتزاحمن حوله كالفراشات حول السراج، وقد فاضت وجوههن بالبسمات العريضة الحمراء وتدفقت افواههن بالعبارات المبهمة يلقينها تارة بالفرنسية وطوراً بالانكليزية او بالعربية، وتبارت ايديهن بالحركات المصطنعة فواحدة تربت على كتفه واخرى تسابق رفيقتيها للجلوس بجانبه وثالثة تجهد نفسها لجذب انتباهه وهو بينهن كالفتاة الخفرة وهن حوله كمستعطيات.
دفعني هذا المنظر الى التفكير بامرين. اولاً ان فتاتنا قد تتلقى في هذه الايام بعض الثقافة التي تهيئها لقسط من الحرية. لكنها ثقافة يعوزها الذوق من جهة ويعوزها التطبيق العملي من جهة اخرى. لقد شهدت كيف تتصرف بنات الافرنج في حضور الرجال فرأيت تصرفهن عادياً طبيعياً لا كلفة فيه وحديثهن حراً صريحاً ملؤه الذوق والكياسة. ذلك لانهن تعودن مخالطة الرجال في كل وقت وفي كل دور من ادوار حياتهن فيرين عشرة الفتيان
امراً طبيعياً لا يثير فيهن ادنى هياج. اما فتاتنا فتتخذ في حضور الرجل هيئة مصطنعة او تنحط الى مستوى مبتذل حقير لانها لم تألف عشرته ولم تعتد محادثته. وهذا الجهل لاصول المعاشرة لا يقتصر على الفتاة بل يتناول ايضاً الفتى فكلاهما محتاج الى التثقيف في هذه الناحية وعلى المربين ان يعودوا افراد الجنسين مخالطة بعضهم بعضاً بصورة طبيعية تدريجية قبل ان يدفعوهم الى اجتماعات الانس والتعارف.
وفوق هذا نجد ان تربية الفتاة لا تهيئها لحسن الانضباط والحكم على عواطفها وافكارها في مواقف غير عادية. فهي لا تستطيع ان تمنع نفسها من الهياج والاضطراب في حضور الرجل او في اي موقف مشابه، وهي لا تستطيع اخفاء هذا الاضطراب بل انه يظهر في حركاتها الخرقاء وفي تدفقها بالحكي او الضحك وفي تصرفاتها المضحكة الشاذة.
ليس العلم غاية في نفسه ولا هو وسيلة لكسب العيش كما يحسبه الكثيرون. لكنه في الدرجة الاولى وسيلة لتثقيف النفس وصقل الذوق وتعديل الاهواء فان اخطأ هذه الغاية اصبح هو والجهل سواء.


