
يرى مثله منذ قرون - قلادة سوداء متناهية في العلو تدلى من تحتها شعر اسود مرسل الى مافوق الكتفين ، وعباءة قصيرة من شعر الماعز ، وسروال ازرق كثيف النسيج بعضه قفطان مزركش بخيوط من الصوف الملون ثم ادهشتني نبرة الرجل اللبنانية الجبلية تداخلها رطانة لم ادر أسريانية هي أم آرامية مع إلمامي القليل بهذه اللغات . ورحت اتأمل هيئة هذا الشخص الغريب فتجلت لي في وجهه الطافح صحة ونشاطاً علائم النبل والاقدام . وقد قدرت عمره بين العشرين والخامسة والعشرين بكل ما في هذا السن من قوة واندفاع ، ولم تنقطع لهجة الشكوى في صوته اذ كرر ما قاله لي سابقاً : « ما لكم لا تصدقون ؟ انا من قرية بعكورة في قضاء كسروان . انا من صميم لبنان . جازفت بحياتي اذ اتيت اليكم طالباً لبلدتي الاصلاح . ما لكم لا تفهمون ؟
اعترفت له اني لم اسمع بهذا الاسم قبلاً ، ولكني مستعد ان اقدم له كل مساعدة بامكاني فما هو الاصلاح الذي ينشده ؟
قال : « اول ما اطلبه اليك هو ان تسعى لدى الحكومة أو الجمعيات المختصة لارسال بعثة تدرس احوال بعكوره بالرغم من ارادة اهلها . فقد فشلت انا في مسعاي ولم اجد احداً الا قابل دعوتي بهز الاكتاف وعبارات الشفقة والاستخفاف .. كدنا نهلك يا جماعة ! بلدتنا بلدة الاحياء الاموات . بلدة الشيوخ الذين لا يموتون ، وهذا ما جعل شبانكم يهزأون من كلامي ويظنون بي مساً . ليس لدينا الا طيب المناخ وطول العمر . لا يدخل الينا غريب بسبب وعورة المسلك ومناوأة الشيخ نمرود ، ولا يخرج احد منا لاننا توارثنا الانكماش على انفسنا حتى اصبحت عزلتنا ناموساً لا نخالفه ولا نرضى عنه بديلاً . الا انا فقد خرجت على ارادة الشيخ نمرود .
فسألته : « ومن هو هذا الشيخ نمرود ؟ » .
قال : « هو نمرود النسطوري جد جد عائلتنا الحاكم بامره دينياً ومدنياً ، يسيطر على مقدراتنا وارادتنا وارواحنا . ولو عرف اني تركت قريتي طالباً الغوث لسامي اشنع العقاب ، غير اني نهلت روح الحرية من تعليم راهب اسمه الاب ارمان الحلبي . علمي القراءة سراً ، وقد اخفى في منسكه مجموعة من الكتب ، فلما انكشف امره لدى الشيخ حاول الايقاع به فهرب هذا واختفت آثاره . وقد تعودت مؤخراً ان
اخرق شريعته واذهب الى القرى استجم منها حياة جديدة متنسماً اخبار العالم ، فبلغني شيء عن مشاريعكم العمرانية ، مما اهاب بي لحضور هذه الحفلة . اريد لبلدتي الحرية والعلم وبعض الانشاءات التي يتمتع بها غيرنا من ابناء لبنان . وحياة « شتّا » هذا كلما اربده » .
فسألته : « ومن هي شتّا هذه ؟ » فتنهد ولم يجر جواباً .
وقصدت ان اكرمه بقدح من نبيذ كسارة المعتق ، فشرب جرعة وقال « هذا
ماء ، لا طعم لها ، ليتك تذوق نبيذنا فنحن لا نحسبه عتيقاً ان لم يبق جيلاً كاملاً في دنانه » .
ثم سألته عن اسمه فقال : « عبدك جروس » . قلت : « لك علي يا جروس ان اصرف غدي كله في خدمتك ، فهل بامكانك ان تمكث هنا يومين أو ثلاثة ؟ » قال : « نعم . تعودت ان اغب عن بيتي اياماً مشتغلاً في ازرافنا النائية ، أوباً للمغائر إبان الليل ، وكان بامكاني ان اهرب للعالم الفسيح لو لم أر الواجب يدعوني لانقاذ ابناء ضيعتي ولو عرضت نفسي للهلكة والسخرية » .
قلت : « وانا علي واجب سأقوم به ما استطعت اليه سبيلاً »
وبالفعل لم تطلع علينا شمس اليوم التالي حتى كنت اجول المدينة مستجدياً عطف اصدقائي على المشروع متنقلاً من دائرة حكومية لدائرة ، مراجعاً هذا وذاك . ومضى علي معظم النهار بلاجدوى وعجزت ان اقنع احداً ليرافقني الى بعكورة ، تلك الضيعة الضائعة ، فصممت ان اقوم بالرحلة وحدي مع صديقي الجديد .
كان الطقس صحواً وانفاس الربيع تبعث في نفسي شوقاً للمغامرة فحملت مسدسي وعصاي وحشوت آلتي التصوير واجتذبت نعلاً ضخماً وركبت مع جروس سيارة تقلنا الى مكان في جرود كسروان تنتهي فيه الطريق المعبدة .
اخذنا نصعد في اوعر ما خلق الله من المسالك حتى بلغنا جبلاً غرق في ضباب كثيف ، وليتني احسنت الرأي فأجلت رحلتي شهراً آخر ريثما تكون قد استقرت حالة الجو اذ اننا لم نقطع نحو الساعتين مشياً حتى اكفهر وجه السماء وفاجأتنا عاصفة هوجاء اضطرتنا للتلطي في ظلال الصخور والمغائر ، وادركتنا الظلمة ونحن ما نزال تائهين في مجاهل يضل مجتازها ولو اثناء النهار . وكان صديقي طيلة الوقت