دائم يعود اليها الباحث ان اراد مرجما لتاريخ الفن في لبنان. ولا يعاد عرضها عاما بعد عام.
ولكنني استثنى من هذه المجموعة لوحتين او اكثر جديرة بالتقدير، واحدة منها بريشة جبران (رقم ١٢٧) وهي لوحة زيتية لصبية جالسة وقد اخذت ذقنها بيدها اليمنى، تنظر اليك بعينها الحالتين التائتين كأنها تزود عالما آخر، او كأن الرسام قد اتبعها فأخذت تفكر وتفكر حتى ضاع بها الفكر في عالم من الخيال مأثور عن جبران. وقد توفق الرسام في اهمال معظم اجزاء الصورة مما اضفى على الوجه نظارة خاصة في الالوان ووضوحا جليا في التعبير، وهكذا اصبح في اللوحة نقطة ارتكاز معينة، وتحتوي اللوحة على عمق في العاطفة، والوان متناسقة رقيقة، كأن الفنان قد احب جليسته فشاركها خيالها وشعورها.
وتتميز لوحات جبران بنموضها وتناسق الواحا، وموضوعها الذي يشبه في اخراجه فن النحت اكثر من فن التصوير، ولعل ذلك نتيجة اتصاله المباشر «برودان» واهتمامه الجدي برسوم «بلايك» ومواضيعه واشعاره.
واستثنى ايضا بعض لوحات مكاروف فاضل التي تتضمن محاولة في التحرر من قيود المدرسين، وهي محاولة فحسب. وله لوحة لنفسه جميلة الاخراج صادقة في تعبيرها وحيويتها تشعرك بمحاولة هذا الشاب التهرب من ربقة الكلاسيين وقيودهم.
وتتناز لوحات خليل الصليبي بدقة الاسلوب والغنى في الالوان، ولكنها تفتقر الى الكثير من قوة العاطفة والشخصية، والى تدوين نفسية النموذج، فلا نرى في لوحة امين الريحاني مثلا قوة الفكر وثورة النفس التي كانت مشهورة عن فيلسوف الفريكه وصديق فيصل، ولا في رؤوسه تلك الحياة التي تبدو واضحة في لوحات فروخ. والعاطفة في صورة امرأته ضئيلة جدا اذا ما قيست بالفنانين الذين صوروا الموضوع نفسه، امثال روبرتز ورمبرانت مثلا. ( قد يعترض البعض على المقابلة بين هؤلاء والفنانين عندنا، ولكنها الوسيلة الوحيدة لتقدير الفن وتقويمه. انا لا اقول ان لوحات الصليبي عديمة العاطفة والحيوية بل انما ضعيفة في ذلك، وهي دون شك تفوق بعض اللوحات المعروضة في الحيوية نفسها وتختلف عن البعض الآخر. وقد قيل لي ان هنالك لوحات اجمل من هذه واقوى للفنان نفسه لست ادري لاي سبب اهل عرضها.
ولوحات حبيب سرور دقيقة الصنع، محكمة النقل، مخلصه في تدوين الطبيعة اخلاصا ثاما، ولكنها لا تثير فينا شعورا فنيا خاصا بل تكتفي بتحريك شعور الاعجاب بقدرة العمل والصناعة لا غير.
اذا انتقلنا الى الفنانين الاحياء، راعتنا ما نجده من التفاوت الكبير بينهم - بوجه عام - وبين الفنانين الاموات، فالاحياء احياء على الاقل،

