يكون رئيف شدودي؟ لا يذكر هذا الاسم بين اسماء الفنانين اللبنانيين
الاموات، ولم يحدثني احد عنه ولا المطلعون على تاريخ الفن اللبناني.
لا اعرف عن حياته شيئاً لو لم تقدني الظروف وتعرفت على احدى تلميذاته ولو لم اتحدث عنه امام الفيكونت فيليب دى طرازي الذي اهداني فيما بعد الى بعض لوحاته ولا كان اهتمامي به كبيراً لو لم امض في الصيف الماضي بضعة ايام في دلتا مسقط رأس الفنان كنعان ديب، حيث شاهدت لوحة من ريشته في احد منازل تلك القرية الجميلة وهذه اللوحة هي قطعة فنية لها قيمتها ظننتها لاول وهلة انها لاحد عباقرة الفن من اهل البندقية الذين رسموا ولونوا بطريقة سهلة لا تكلف فيها ولا تردد.
لوحة واحدة يتركها الفنان تعبر عن تاريخ امة بكاملها وبعض خطوط والوان يضعها الفنان على قماشته تعطي درساً مستفيضاً عن نفسيته ومزاياه.
لا احب ان يشغل بالي التدقيق في البحث على اصل رئيف شدودي وفصله ومذهبه بقدر ما يهمني انتاجه الفني والعصر الذي عاش فيه. واترك ذلك الى الذين تعودوا ان يدفنوا ايامهم ولياليهم في تكوين «شجرة العائلة».
اتضح لي بعد ما تمكنت من مشاهدة قسم من لوحات شدودي ان فيما رسم ولون عمقاً وحيوية وقوة ومهارة وجرأة وان طريقة مزجه الالوان طريقة فنان خبير عرّكه الدهر لا يهتم بالجزئيات كما يفعل المبتدؤون. ولاساويه صبغة خصوصية في كيفية تكتل اللون فوق اللون
دون قتل اللون بالمادة الزيتية وطريقة كهذه لا يؤثر عليها مرور الزمن ولا بقدر الزمن ان يلاشي ميزاتها مثلما يؤثر في الطريقة الخفيفة التي تشبه التصوير في الالوان المائية.
ينحصر تصوير رئيف شدودي في الوجوه الادمية ولقد نقل بعض المواضيع الميتولوجية ترويضاً لغريزته الفنية شأن كل بحاثة يريد الاطلاع على اساليب كبار الفنانين لكي يتخذ له فيما بعد خطة ينتهجها لنفسه، فكان رئيفاً سافر الى روما - المدينة الابدية مهد الفن.
لم يركب البحر رئيف ولم يشاهد من عظمة الفنون الغربية شيئاً بل لاحظ اثر ذلك في رسم داود القرم وحبيب سرور وخليل
الصليبي واكبر الظن انه كان يتردد على محترفاتهم لان في رسمه وتلوينه روحاً منهم.
ان رئيفاً يتحلى بصفات اخلاقية طيبة لا تعرف الحسد والبغض وحب الظهور ففي تصاويره قوة هي مستمدة من صلابة صخور جبلنا وفي مزجه الالوان ايمان وجلد وعزيمة لا تقف عندها غاية. هنا هنا السر: ان لا يغتر المرء بنفسه ولا يروي عطشه من جرعة كأس ماء واحد. كان رئيف واقعياً يظهر الحقيقة بشكليها المليح والقبيح مما صور وحوّر تصويره ارضاء للخواطر، فكم لبنان بحاجة ماسة الى رجال من هذا الطراز لا يصورون ولا يكتبون ولا ينظمون الاشعار ولا «يتسايسون» ولا «يترهبنون» قائلين للظروف احكام.
انني معجب بلبناني كرئيف شدودي له هذه المقدرة الفنية. ومن الاعجوبة بمكان ان يولد فنان صلب الارادة في عصر تفشى فيه الجهل وطغت عليه الانانية واستبدت به السياستان المجرمتان الاستعمارية والاقطاعية. هذا العصر تنكر للموهوبين من ابنائه فاذا هم يعيشون منكمشين على انفسهم لا يصل بينهم وبين الناس فكر او اية قرابة روحية، ولو ادرك اللبنانيون قيمة انتاجهم الفني منذ تاريخ نشأة الفن في لبنان، ولو تابعوا سيرهم او تركوا الموهوبين منهم ان ينصرفوا الى الاعمال الفنية التي كانت تضطرب في نفوسهم في هذا الجو الملهم، إذن لكان اللبنانيون اليوم من قادة الفن في العالم ومن اساتذة البشرية.
عاش رئيف شدودي في بيئة ما شعرت قط بوجوده، ومات رئيف شدودي كما مات حبيب سرور ومكاروف فاضل لم يدر به احد ولم يذكره تاريخ، لاننا هنا لم نتعود ان نقيم ميزاناً الا للمظاهر الفارغة التي لا تمت الى الفكر او الفن بصلة.


