فاذا كان هناك ازمة كان ذلك الاحجام سببها.
والاحجام طبعاً عائد الى اسباب عدة، منها التربوي، ومنها الاقتصادي، ومنها ما تخلقه حالات اخرى.
عندنا في الشرق نوعان من الشرائع نطبق منها واحداً على الشاب والاخرى على الفتاة. فنسمح للشاب بالحرية المطلقة يتمتع بها، وبالملاذات جميعها يتزوقها غير منتقد. فاذا ما نصحناه بالزواج رأى فيه، تجاه ما يتمتع به من حرية، رباطاً ومسؤولية يخافها احياناً. افهم ما يقوله البعض عن التساهل الذي اوجدته الطبيعة للرجل والقيود التي كبلت بها المرأة، على ان تساهلنا نحن تجاه الرجل من صنعنا لا من صنع الطبيعة.
ولسنا نحارب التهتك لانه ربما أدى الى اولاد غير شرعيين فقط، بل لانه يهدم الاخلاق ويقضي على المبادىء والتربية والصحة. فاذا نحن اردنا ان يربي الفتى على احترام الاداب كما تربي الفتاة، علينا ان نغرس في عقلها الغض احترام العائلة واختيار الزوج والسعي لتأسيس بيت يشعران فيه بالسعادة الزوجية. وعندما يربي الشاب في بلادنا على ان السكر والقمار والمعاشرة الرديئة والعلاقات غير الشرعية تحط من شأنه يشعر اذ ذاك بالقيود الاجتماعية ويفكر في الزواج المبكر اذا سمحت له احواله المالية. اقول اذا سمحت احواله المالية، لانه ليس من الخير ان يتزوج الرجل ويصبح اباً وهو لا يملك ما يعول به اسرته. لذلك كانت الحالة المالية أهم اسباب ازمة الزواج. فالحياة تتطلب نفقات، والاولاد والبيوت يلزمها المال، لا لان المرأة مسرفة او
الخطيبة مطالبة، فهناك من فتياتنا والحمد لله من ربين تربية صحيحة تجعلهن قنوعات بان يتحملن مع الزوج المتاعب ويحاولن الا يرهقنه بالطلبات ويحترمنه ويعتبرنه رأس البيت. اما ما نسمعه عن تطلب النساء واسرافهن من بعض شبابنا الذين يسيؤن الاختيار وينقادون الى اهوائهم غير مبالين بالنصائح المخلصة، فما هو الا كلام يقولونه ليعزوا انفسهم ويتسلوا.
ومن الاسباب التي تؤدي الى احجام الشباب عن الزواج قلة وجود السعادة الزوجية بين المتزوجين. وهذه المرة اسمحوا لي ان احمل الرجال القسم الاكبر من التبعة، وما ذلك إلا ان للرجل حق الاختيار والطلب. فذاك الشاب الذي تهتك الى ان شبع او تحطم واثر التهتك في اعصابه وصحته، عاد الى رشده، واخذ يبحث عن فتاة تشاطره الحياة، وهو متأثر بالنظرية القائلة بان الرجل لا يهمه ماضيه، وبان الرجل شاب الى سن الخمسين فليبحث عن الصغيرة التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين. كيف يمكن ان تتوفر السعادة
في بيت مجوبه ويحوي زوجة شابة؟ كيف يجوز ان نرميها في عالم تتراكم فيه التجارب، وتتجاهل شبابها وقوتها ونشاطها وحرصها، فنطلب اليها ان تخزنها كلها في صندوق يقفله زوجها؟ كيف يمكن ان تكون سعيدة الى اقصى حدود السعادة وهي تضحي كل يوم بشبابها، وهل احب الى المرأة من شبابها؟
ينظر الاعزب الى بيت من البيوت التي حوله فيرى السعادة فيه ناقصة، ولماذا؟ أليس لان الشاب فتن بجمال فتاة ليس بينه وبينها شيء من التفاهم الحقيقي؟ طفولتها مختلفة، وبيئتها مختلفة، ودراستها مختلفة، وتربيتها مختلفة، واسرة كل منها تختلف عن الاخرى درجة وتهذيباً ومبادىء. يتزوجان فيتمتعان بالسعادة في باديء الامر، على انها بعد مدة عندما تتباين آراؤها وميولها ووجهة نظرهما في كل الامور، تذوب السعادة الوهمية وتحترق امام هيكل الحياة العملية والتضحيات اليومية.
ثم يلتفت الشاب الى بيت آخر فيرى السعادة ناقصة فيه ايضاً، لان الزوج شرقي والمرأة غربية. وكلنا يعلم ان نظرة الغربية الى الزوج تختلف عن نظرة الشرقية اليه، كما تختلف طلبات الزوج الشرقي عن طلبات الغربي. وهنا كذلك يفعل اختلاف اللغة فعله، وروابط اللغة من اقوى الروابط. تختلف الالقاب التي لقبا بها في صغرهما، والعبرات التي سمعها من والديهما سواء كان ذلك للتحبب او للتوبيخ. وتختلف انواع الطعام التي تعودها كل منها واحبها. وهذه الفوارق وان لم تكن كل منها على حدة ذات اهمية الا انها مجتمعة تعيق سبيل التفاهم. ولا يمكن ان تحيا السعادة الا مع التفاهم التام.
هذه بعض اسباب ازمة الزواج ذكرتها على سبيل المثال، ولكل قاعدة شواذ.
(القيت في نادي التعاون ببيروت)


