أما جوع القلب !..
تحركت يد القدر وأومأت آمرة لحكمة نجهلها بحرمان المال هذا المخلوق الانساني - هاكه ... دمعت عيناه ، وتقطبت شفتاه عن قلب موجع - شقاء متزايد غره فبغض الحياة وبغضته ، فكأنها هي تموت فيه وهو يموت فيها . عز المأكل ورث الملبس ، وتساوى مأواه بمأوى حيوان داجن عضه الجوع فلا ما يؤكل في مأواه فخرج مستجدياً . رآه المارة فافصحت اطماره عن فقره وبطنه اللاصق بظهره عن جوعه .
وتساقطت عليه الدريهمات ولمحت عيناه تأثرات على بعض الوجوه وتسمعت اذناه كلمات اشفاق من بعض الافواه : « هو الفقير اغيثوه . جوفه املأوه ، جسمه اكسوه ، في مسكن لائق اسكنوه ، فلا مال لديه يستحيل منزلاً فخماً ومأكلاً شهياً وملبساً فاخراً ... » بهذا تلفظ من رأى جوع البطن فاشفق على الجائع .
تحركت يد القدر وأومأت لحكمة نجهلها آمرة بحرمان هذا المخلوق الانساني مبادلة قلبه حباً بحب . هاكه متأنقاً ، عيناه دامعتان ، وصدره منقبض ، ونفسه متألمة ... كره الحياة وكرهته فكأن لا سبب يجمع بين وجوده الابدي وازليتها . جاع قلبه فنشد الحس غذاءه فلم يجده ، فخرج طالباً له تعلوه ابتسامة أمر بها العقل اذ خلا منها القلب .
رآه الناس : ثياب فاخرة تنبى عن المال الكثير ، والمنزل الفخم ، والجاه العريض ... فالفقير حسده على ماله ، والغني تمنى لو كان له فوق هذا المال .
بهذا تلفظ بعض من رأى شبع الجسد وفاته جوع النفس ، فحمد الجسد الشبعان ولم ير فيه النفس الجائعة .
ولكن هذه الابتسامة المصطنعة ماذا تخفي تحتها ؟
انها تخفي قلباً يذوب حباً ولا من يباده او يفهمه فيعزيه ... قلباً يطلب غذاءه : الحب ، ولا يحصل عليه . ففيه ابداً جوع شديد .
فمن هذا المنزل الفخم الى طاولة المأكل الشهية تحت هذه الثياب الفاخرة ، مخلوق جائع بائس حزين لا يجد قلبه الحب الذي ينشد - يزيد في حزنه ظن الناس به سعيداً ، فحسدوه فهو يشعر كأنه في صحراء ، والناس من حوله كثيرون .
يجوع البطن فنميز الجائع ؛
ويجوع القلب ولا نميز الجائع ؛
فللجائع الاول سخاء واشفاق . وللجائع الثاني حسد ثم حسد وقد حسبناه سعيداً .
حبذا لو تعارفت القلوب فتأنست ، كما تتعارف الاجساد فتتعاون ...
جوع البطن يقتل صاحبه وهو انسان ، وجوع القلب لو خلت منه الانسانية لماتت جميعاً عن الانسانية ...
