
(١) في احدى الزوايا النائية لحديقة الروضة ، نما نبات دائم الخضرة نسميه بالعامية « كزبرة البير » وكان الأطفال قلما يعيرونه التفاتهم . وذات يوم شوهد اسامه وهو يقطع منه ويبوّقه في يده فنادته المعلمة وسألته لماذا يخالف الاوامر
المشددة بالمحافظة على الازهار وعدم التعرّض لقطفها ؟ فاجاب بجيا : « ان امي تحب هذه الاوراق الخضراء وكنا دائماً نجمعها معاً عندما كنا في الجبل ونزين بها بيتنا ولكنني منذ نزلت بيروت لم اشاهدها الا هنا فاحببت ان افاجئ الماما بباقة منها لاري كم سيكون فرحها عظيماً » . وظن الأطفال ان المعلمة ستعاقبه وتنتزع منه باقته الصغيرة لارتكابه امراً محرماً ، لكنها لم تفعل شيئاً من هذا ، بل مدحته امام زملائه واكبرت فيه هذا الشعور بالجمال والتقدير له ، وتركته يحمل هديته الى والدته . . ولقد عرّفتها هذه القصة بوالدة اسامه ، قبل ان تتعرف اليها فاذا بها سيدة فنانة ، تهتم بجمال بيتها وتعلق اهمية على تنسيق الازهار على مائدة الاكل وفي الغرف المختلفة . فمن الطبيعي ان يكون لهذه السيدة طفل مثل اسامه .
(٢) وفي احد دروس الاشغال اليدوية أجريت تجربة في فرز الخرز الملوّن وتنسيقه حسب انسجام الوانه ، على عدد كبير من الاطفال وثبت ان النتيجة المثلى كانت من صنع اسامه وامثاله وتبين ان هنالك علاقة كبرى بتقدير الاطفال للازهار وحبهم للالوان وفهمهم لها . لان كثرة اهتمامهم بالازهار وملاحظتهم لالوان الطبيعة ، تهذب ذوقهم النظري ، وتقوي فيهم غريزة الانسجام فيستهجنون في الالوان كل تنافر قد يراه غيرهم شيئاً جميلاً ، وهل فنان كالطبيعة في عرض زهر الرياض وتناسق الوانها ؟
(٣) في درس الرسم اقتربت المعلمة من احد الاطفال وعمره ثلاث سنوات ونصف وهو يملأ لوحته من وحي خياله . فشاهدت على اللوحة مركباً ذا شراع وتحته سمكة وفي زاوية اللوحة مركباً آخر صغيراً . واوضح سرمد رسمه حسب وضعه له فقال : « هذا مركب مسافر في البحر وهذه سمكة تسبح تحته ، وذاك مركب بعيد جداً عن المركب الاول ولذا رسمته صغيراً والسمكة قريبة ولهذا ظهرت كبيرة ! » . فهل يشك في ميل سرمد الرسم وتقديره للمقاييس حتى في هذه السن المبكرة ؟