أتعرض هذه المرة الى ذكر الفوارق العقلية التي انتهى اليها علماء البيولوجيا وملاحظة غيرهم من العلماء عليها وانتقادهم اياها تاركة امر البحث في «المرأة والابتكار» الى فرصة اخرى.
يقول هؤلاء ان النساء اجمالاً برهن على شدة رغبتهن بالاستظهار وانهن اقدر على ذلك من الطلبة الذكور. وان الوقت الذي يجمعن فيه الافكار والاراء التي تعرض عليهن اقصر مما يحتاج اليه الصبيان. وان هؤلاء تفوقوا عليهن في سرعة الملاحظة ودقتها.
في كل هذه النظريات دلالة على ان الكفاءة العقلية غير محدودة ولا يمكن ان نفرق بين الجنسين فيها. وانه ليس من الحكمة ان نبني رأياً او نطلق حكماً على مثل هذه التجارب والنظريات على كثرة ما احيط بها من الحذر او استدعت من العناية والانتباه.
لم يجد العلم فرقاً بين جمجمتي الرجل والمرأة لصعوبة التعويل على الحجم وتفسر الركون اليه بسبب اختلاف عملية الهضم وانواع التغذية فضلاً عما هنالك من
تأثير الجو والمحيط والتربية والتعليم والرياضة والعادات، الخ
والمجال هنا لا يتسع لنقل كل هذه الابحاث في صدد ما تمكنوا من تعديله من الخصائص او من تغييره بواسطة تغيير البيئة وانواع الغذاء وطرق التربية واساليب التعليم والفروع العلمية.
كان يقال ان النساء اضعف في الصناعات اليدوية من الرجال الى ان تفوقت آنسة بالضرب على الآلة الكاتبة.
ان قوة العقل نتاج تأثير المجتمع في الجنسين الى حد كبير. وقد قيل ان العقل والشخصية انما يتكونان بفضل المؤثرات الخارجية. واعم الاقوال شيوعاً اليوم يرجع الى الرأي القائل بان الفارق العقلي بين الجنسين يرجع الى الفرص التي اتاحت لاحدهما زيادة النمو. فالفوارق العقلية اذن بعضها طبيعي وبعضها مكتسب على مر العصور.
كان على الرجل ان يحارب ما دعا الامر الى الحرب، وعلى المرأة ان تربي الاولاد. كان على الرجل ان يصطاد ويكتشف البلدان والاقطار وعلى المرأة ان تلزم بيتها لحراسة الاطفال. كان على الرجل ان يمخر عباب البحار، وعلى المرأة ان تبيع وتشتري وتزرع وتغزل وتصنع ما تضطر الى صناعته. وما تزال علامات هذه الفوارق قائمة تشهد على خصائص ما تعاطاه الجنسان من الاعمال.
فحين نقول ان هذا العمل او ذاك خاص بالمرأة حددته لها الطبيعة نعني انه مطابق للانوثة لا ان البرهان زكاه والاقتناع قدسه.
لقد ناهض الاقدمون تعليم المرأة لتصرف همها الى تدبير المنزل بدعوى انه مكانها الذي لا يليق بها غيره. ذلك لانهم كانوا يجهلون ان للبيت نواحي عدة يجب على المرأة لتجيد الاضطلاع بإعبائها ان تثقف تعلمها وان من الام الذكية المثقفة فائدة لنسلها تفوق النفع المتأتي من خدمة الجاهلة الغبية له.
وان القائلين بوجوب انصراف المثقفات ثقافة عالية عن الزواج والامومة كالقائلين بالرهبانية فهم يريدون ان يحرم البيت طبقة الامهات الجيلات الصالحات رغم ما اشتهر عن الراهبات من اعمال الرحمة والانسانية جيلاً اثر جيل، ورغم وجود ارقى اشكال النساء صحة وجمالاً وعقلاً بين الراهبات اللواتي جلب ترهبهن على امتهن خسارة قدرها قدر الخسارة المتأتية من المثقفات العازبات.
وفي الزمن الحاضر ارغمت الاحوال الاقتصادية النساء على مسابقة الرجال في ميادين اعمالهم حيث يتفقن جهداً بالفاً ويشتغل بعضهن ابتداء من سن المراهقة.
وهن يبدين الى جانب هذا الجهد

