يستمرون في التمثيل الى ان يكتفوا من اشباع غريزة
خيالهم.
لقد تنبه قادة التربية في العالم لاهمية الخيال المبتكر في حياة الطفل فأجروا بعض الاصلاحات في اساليب التربية في رياض الاطفال، فبعد ان كانت المعلمة تعمل نماذج من الاشغال اليدوية والرسم وتطلب من الاطفال استنساخها وتقييدهم باتباع طريقتها لتخرج صورة طبق الاصل، على اقرب وجه، اصبحت الان تترك للطفل الحرية المطلقة ليرسم ما يوحيه اليه خياله، المستمد من جو حياته الخاصة، ويعمل نماذج مما يحلو له صنعه فلا تربطه بقيد او شرط فتنمي فيه قوة الخيال المبتكر. فالاطفال، رغم البساطة وقلة الاهمية لما يعملون من الاشغال، فان في ذلك انماء لشخصيتهم الفردية وقوة خيالهم واستقلالهم الفكري.
وبعد ان كانت معلمة الروضة القديمة تروي لاطفالها القصص والحكايات وتطلب منهم اعادتها والتمسك بجذافيرها اصبحت اليوم تشجعهم على ابتكار القصص مهما كانت تافهة، بعيدة عن الحقيقة والمنطق، لان لها في عقلية الطفل قيمتها واهميتها. فيجب اذن، ان نقدرها ونحترم ابسط فكرة من وحي خياله.
(٣) روى زياد قصته بجاس قال: «في صباح العيد اهداني ابي طيارة»، فقاطعه الياس قائلاً: «وانا ايضا اهداني ابي طيارة!» فاسرع زياد موضحاً قال: «ولكن طيارتي كبيرة وفعلاً تطير! ولقد ركبتها امس وسقتها بنفسي وطرت فوق بيروت وشاهدت البحر والشوارع!» فسأله الياس بتوسل: «هل تسمح لي ان اركب معك فيها؟» فاجابه زياد: «تكرم! تعال لعندي غداً وسترى الوقت الطيب الذي ستقضيه معاً». وانتهت القصة. وجلس زياد فخوراً بمخاطراته وحوزته على طيارة يطير فيها!.. وقد فهمت من والدته بعدئذ بان طيارة طارت فوق بيتهم في اليوم السابق وكانت قليلة الارتفاع بحيث جذبت الانظار وحملت زياداً على الاكثار من الاسئلة عنها. فتمنى حصوله على طيارة شبيهة بها، وهذه الامنية اوحت اليه بهذه القصة حتى صارت حقيقية في خياله. فلا يجوز ان نهزأ من قصته ونؤكد للاطفال بعدها عن الحقيقة ما دامت قد ملأت فراغاً كبيراً في حياته.
فواجبنا اذن التمييز بين الكذب والخيال المبتكر وتشجيع اطفالنا على التعبير عن افكارهم وانماء خيالهم، كي تقوى شخصيتهم ويستقلوا بتفكيرهم واعمالهم، أسوة باطفال الامم الراقية.



