في البلاد. وقلما يجد رسّام المناظر الطبيعية في أي بلد من بلدان العالم هذه الكثرة من المناظر الحريّة بالرسم على مسافات قصيرة من بعضها البعض. فالجبل والبحر والرمال، اللباس والوجوه الاجنبية، خرائب الايام الغابرة، جمال فن البناء العربي ذي السقوف الحمراء، مع المناظر الطبيعية وغير ذلك مما يتخيله الفنان، موجود بكثرة مدهشة.
وأهم ما يحرّك المشاعر في هذه المشاهد على اختلافها هو، بنظري، هذا اللمعان والغنى في الالوان التي اسبغتها عليها الطبيعة، فيتحتم على
الفنان ان يستعين بكل الوان لوحته ليفي هذه المناظر حقها. وعندما يُجهد مخيلته ليتقن الصورة التي يرسمها من حيث التناسق والمطابقة، كما يفعل كل رسّام لا يرضى عن التشابه بين الرسم والمثال، تُتاح له الفرصة لاستعمال مختلف الالوان التي يوحيها اليه فنه وشعوره. كل من راقب الشمس عند مغيبها فوق البحر، وراء بيروت، تتحول الى لون احمر وردي ومن ثم الى لون ازرق فاتح، فارجواني قاتم، فازرق مضيء، وبعده الى لون الليل، يتمنى لو كان بالامكان الاحتفاظ بسحر هذه اللحظات الى الابد. والفنان يدرك ان مشهداً كهذا يوحي رغبة للرسم لا يمكن التغلب عليها.
اينما سرت في البلاد ترى الجمال امامك. ففي الشمال ترى الارز، وبشري (مسقط رأس جبران خليل جبران، الشاعر الفنان اللبناني الكبير، ومرقده الاخير)، واهدن ووادي قاديشا الصخري المتعرّج، والجبال المتدرّجة تلامس الشاطئ وقد نُثرت على جنباتها القرى الصغيرة ببيوتها الحمراء المتلاصقة بعضها ببعض كالعناقيد. أما سهل البقاع الاخضر المتسع، ذو الالوان المتنوعة، فقطع تقطيعاً على مثال الجبال المحيطة به، وهو يحتوي خرائب بعلبك الاثرية وبقايا امجاد بعض شعوب هذه البلاد التي عاشت وعملت ثم اخلت السبيل لمن جاء بعدها من
منظر الروشه في بيروت. وطالما كان هذا المنظر موضوعاً خصباً للفنانين.