مسكين شوبان ، لقد قضى حياة قصيرة المدى كثيرة الاحزان والهواجس ... احب الطبيعة واسلمها ذاته ولكنها نبذته لانهما لم يتفاهما . فقنط وراح يحلق الى ما فوق الطبيعة مردداً احزانه للنسيم والنجوم والطيور . شكا شقاءه للنجوم فآوته . ثم اثار غضبه على الخالق والخليقة وبكى حظه ذاك الذي خلقه على شاكلة البشر وهو ليس منهم ! فكانت نتيجة ثورته ان فاضت عواطفه وسالت الدموع من عينيه شبه ماء رقراق واسمعنا « لياليه » الحاناً شجية تنساب في حنايا الضلوع كأنها انغام سماوية صبها السحر في دنان الخفاء .
الحانه انين وشكوى ، وشكواه بكاء ونحيب ، يثور على الدهر في « البركول » ثم تتهيج عواطفه فيأتينا « بالاكور » الضخمة المثقلة بالافكار الغامضة ؛ وبعدها يسمعنا النوطة الرفيعة المتناسقة كأنها انين يصعد من اعماق القلب ولا يسمعه الا من اجاد لغة القلوب . ويستعمل شوبان « المينور » مشيراً بذلك الى شقائه وتعاسته .
ولكن كم من مراحل نفسانية قطعها الفنان الشهير ، ولربما كانت سبباً لاجادة قريحته الموسيقية حتى انه كانت تسيل الدموع من عينيه على البيانو عندما كان يعزف مقطعاً من مؤلفاته الشهيرة تحت عنوان « النزهات » . والسبب انه لم ينعم بحب صادق طيلة حياته رغم ان عواطفه كانت جامحة متقدة والدوافع النفسية الكامنة فيه ثائرة هائجة ... وهو الذي يعتقد ان الحياة بدون حب خارجة عن نطاق الاخلاق، وان الانسان ما دام لا يشعر بعاطفة حب نحو شخص آخر فهو اشبه بالبهائم . وكم لاقى من العقبات في حياته ، وكم من المرات لجأ قلبه الى قلب آخر فاذا به ، وهو الرقيق الشعور ، يتحطم على تلك الصخرة الصلبة . فاذا اصغيت لاحدى مقاطع « النزهات » سمعت جيداً
تراتيل الامل وهو راكض نحو حبيبته ، ثم بغتة يسمعك « اكسورا » ضخماً تكاد تنفتت له الاكباد لما فيه من ألم، واخيراً تغرورق عيناك بالدموع عندما تسمعه يئن من فرط الالم ناظراً بعيني اليائس الى حبيبته الصلبة القلب . وقل كذلك عن علاقاته مع اصحابه فلم يجد صديقاً صميماً يلتجئ اليه في حالة يأسه الا جورج صاند الكاتبة الافرنسية الشهيرة . تعرف اليها طيلة مدة وجوده في باريس ، ولعلها كانت اولى المشجعات لفنه لانها احاطته بعطفها عندما شعرت بانه يجتاز مرحلة شاقة من حياته اذ نبذه اهله وابتعد عن بلاده المستعبدة تاركاً عصابته في ريعان انتاجها القومي يائساً خاوي الجيب . فهي التي احتضنته وشجعته للمثابرة على التآليف . فاهداها ال « مازيركا » وهو نشيد الشكر لتلك التي اصبحت فيها بعد حبيبة قلبه . وكم يدوم الحب الذي ارتكز على الصداقة والتقدير ؟ ان الفالس والمزيركا تعبران عن اخلاصه لجورج صاند ، غير ان الانين والحنين الى ربوع الوطن مستديم . ولذا لبست الحانه الحلة الرومنطيقية وهي سمة حزن

