لقد بدأ اللبنانيون وغيرهم من سكان الشرق الأوسط يشعرون بالحاجة الماسة إلى مدارس تعتني بأطفالهم، بينما نحن في انكلترا قد شعرنا من قبل بقيمة «روضة الأطفال». منذ سنة ١٩٢٣ تأسست في انكلترا رابطة «روضة الأطفال». ومع العلم أن الحالة السياسية الداخلية منها والخارجية قد تغيرت كثيراً في العشرين سنة الأخيرة، إلا أن الحركة ظلت سائرة، وهي الآن أساس من أسس التربية في بريطانيا.
يعترف جميع المربين أن المرحلة الواقعة بين السنة الثانية والسنة السابعة هي من أهم مراحل نمو الطفل. وأن النهج التربوي الذي لا يعتني بهذه المرحلة يعد ناقصاً.
ففي هذه المرحلة يكون نمو الطفل عقلياً وجسدياً أسرع منه في أي وقت آخر، وعلى هذه المرحلة المليئة بالتجارب يتوقف سلوك الشخص في المستقبل. إذن أن هذه المرحلة بين الطفولة والحياة المدرسية حيوية وذات أهمية كبرى في حياة الأمة، لأن شخصية المواطنين متوقفة لحد بعيد على طريقة حياتهم في السنوات التي سبقت دخولهم المدرسة.
على ماذا تنطوي إذن هذه المدارس؟
أولاً: مصاحبة الأطفال بعضهم لبعض. أن هذه التجربة فريدة ولها
عظيم الأهمية. ولا يستطيع الطفل الحصول عليها وهو في البيت وبما أن البون شاسع بين الطفل والرجل، فمن المستحيل أن يقتبس الطفل شيئاً عن الرجل خاصة وأن اللغة التي يتكلمها الرجل هي أعلى من مستواه الفكري بدرجات. أن الطفل يتعلم العادات الحسنة كالمساعدة مثلاً، إذا عاشر الأطفال الذين هم من عمره وليس إذا عاشر الرجال.
ثانياً: أن التربية في روضة الأطفال تعني أفساح المجال أمام الطفل للعب، وخاصة في الهواء الطلق، فإن اللعب ينمي عضلاته ويقوي جسده، ويستحسن جداً أن يكون اللعب ببعض الدمى.
ثالثاً: أن التربية في روضة الأطفال تعني الاهتمام بنموه العاطفي. فهي بذلك تعترف بقيمة اللعب البري في هذه المرحلة البدائية. وهي تهتم أيضاً بحاجة الأطفال إلى ما يساعدهم على الوصول إلى مقاصدهم ورغائبهم، منمية بذلك حواسهم بواسطة اللعب. وهي تعترف أيضاً بوجوب إشباع رغبة الأطفال في الألحان الموسيقية والألوان البسيطة، ذلك لأنها تعتبر أنه على هذه الأسس يتوقف نمو العقل والعاطفة.
رابعاً: وهي تراعي أهمية الاعتناء بصحتهم، فلذلك نرى أنها تتبع نظاماً يومياً خاصاً تراعى فيه ساعات النوم والراحة، وهي تسعى دوماً أن تبعدهم مما يهيج اعصابهم.
خامساً: أن هذه المدارس تربي الأطفال على ضبط النفس من حيث الأكل واستعمال الدمى الخ ... أن هذا النوع من التربية مقبول عند الأطفال لأنها تروق لهم. وهم بذلك يتعلمون بالتقليد والاقتباس.
سادساً: أن معلمات هذه المدارس فتيات يفهمن الأطفال فهماً صحيحاً. فتيات تخصصن في فن تعليم الأطفال. وعلى كل فتاة في انكلترا تود الانخراط في عداد المعلمات لمدارس من هذا النوع أن تبرز شهادتها بأنها قد أنهت دروسها العامة، وأنها قد حازت على ثقافة عامة عالية. وبهذا يرتفع مستوى روضات الأطفال ارتفاعاً عالياً.

